من داخل الخلية
حقائق من داخل الخلية
لقاء الشيخ علي الخضير
شاهد
أستمع
أقراْ
لقاء الشيخ ناصر الفهد
شاهد
أستمع
أقراْ
لقاء الشيخ أحمد الخالدي
شاهد
أستمع
أقراْ
 
 
اعترافات المجموعةالأردنية
شاهد
أستمع
أقراْ
 
 
 
 

الشورى .. فطرة و سنة و نظام
 
الشورى من مستلزمات الفطرة، ومن سنن استقرار المجتمع، وهي ليست هدفًا في حد ذاتها بل شُرعت في الإسلام كوسيلة لتحقيق العدل، وتنفيذ مقاصد الشريعة. لذا فهي فرع من فروع الشريعة وتابعة لها وخاضعة لمبادئها، وهو ما يميزها عن الديمقراطية كنظام و التي تنبني على الاجتهاد البشري مطلقاً دون هدي من وحي أو فترة تاريخية مرجعية.
 وتعد الشورى في الرؤية الإٍسلامية مبدأً إنسانيًا واجتماعيًا وأخلاقيًا، بجانب كونها قاعدة لنظام الحكم، وهي في المجال السياسي حق الجماعة في الاختيار وتحمل مسئولية قراراتها في شئونها العامة.
 

 بين الشورى والاستشارة 
 وإذا كانت أحكام الإمامة أو ما يُسمى "فقه الخلافة" هي الموضوع الرئيسي الذي تناولته الكتابات السياسية الإسلامية لقرون طويلة، فإن فقه خلافة الحكام أو نظام الحكومة يجب أن يدرس باعتباره فرعًا من فقه الشورى، فالشورى هي الأصل، إذ أنها خلافة الأمة، أما خلافة الخلفاء وولاية الحكام فهي فرع، لذا فإن فقه الخلافة في عصرنا يجب أن يعود إلى الشورى، أي إلى سلطان الأمة، ويتأسس على البيعة الحرة أو الولاية التعاقدية التي تتيح للأمة الرقابة على الحكام ومحاسبتهم، فالشورى أسمى من الدولة.
 وقد اختلفت الآراء بشأن وجوب الشورى، فذهب فريق إلى أنها واجبة، في حين أكد آخرون أنها جائزة، كما اختلفت الآراء بنفس القدر بشأن إلزاميتها-أي وجوب إتباع الحاكم لرأي الأغلبية ، مع ملاحظة عدم التلازم بين الأمرين، إذ أن وجوب الشورى كآلية لا يعني بالضرورة الالتزام بما تنتهي إليه من نتائج والعكس.
 ويلاحظ على هذه الآراء المختلفة أنها انصبت على جانب الحاكم، ولم تتعرض لجانب المحكومين، فالشورى وردت في إطار الحديث عن الجماعة في آيتين في القرآن الكريم، تُلزم الأولى الحاكم بالمشاورة " وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ" (آل عمران: 159)، وتلزم الثانية الجماعة بالشورى "وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ" (الشورى38). وإذا كانت الشورى فطرة وسنة اجتماعية، وأداة لتحقيق مقاصد الشريعة، فإن حكمها يصبح الوجوبوالإلزام لا على الحاكم بل على الأمة كذلك.
 فالشورى التزام شرعي يدخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يحق للأمة التنازل عن أدائها. ولقد حاولت بعض الآراء الخروج من الخلاف بشأن مدى إلزامية الشورى فذهبت إلى أن الأمر في مسألة الشورى مرده إلى الأمة؛ فإن شاءت أن تقيد الحاكم بالأغلبية فعلت، وإن شاءت منحته الحكم والتقرير نيابة عنها، وهو رأي لا يتفق مع كون الشورى فطرة وسنة، فهي حق لله لا يجوز التنازل عنه، وهو ما يجعلها مسئولة عن حمايتها، ويطعن في شرعية نظام الحكم الذي يتجاوزها، ويلزم الأمة برده إلى الالتزام بها.
 كذلك فإن هذه الآراء لم تميز في استدلالها بين الشورى والاستشارة، حيث تتميز الأولى بأنها ملزمة وواجبة، في حين أن الاستشارة هي طلب النصيحة وهي مشورة غير ملزمة.

 
أهل الشورى..وأهل الحل والعقد
 لقد أوجب الإسلام الشورى، ولكن من هم أولئك الذين يجب أن يُستشاروا ؟
 في الآيات القرآنية وفي الأحاديث النبوية لا يوجد نص صريح يحدد هؤلاء بصورة مفصلة أو حتى إشارة عامة مجملة. لذلك علينا أن نرجع إلى ما جرت عليه السنة العملية في عصر الرسول (صلى الله عليه وسلم) وما جرى عليه العمل من بعده إبان عهد الخلفاء الراشدين، وكذلك ما ذكره كبار المفسرين وذكره علماء الفقه الإسلامي.
 من استعراض الوقائع التاريخية يثبت أن أهل الشورى من الصحابة في عهد الرسول أو في عهد الخلفاء الراشدين (أي أهل الحل والعقد) يضمون عناصر أو فئات مختلفة تكونت بطريقة طبيعية تدريجية، وتولدت غالبيتها من قلب أحداث تاريخية مختلفة. فإذا نحن استعرضناها ألفيناها تشمل الفئات التالية:
 أولاً: السابقون الأولون إلى اعتناق الإسلام بمكة
 ثانيًا: الممتازون بخدماتهم وتضحياتهم وبصيرتهم وفراستهم
 ثالثًا: أصحاب النفوذ من الأنصار الذين دعوا الرسول بعد إسلامهم إلى الهجرة إلى المدينة وذلك بعد أن عملوا على نشر الإسلام بالمدينة
اويضاف إلى هذه الفئات أو العناصر عنصران برزا في المجتمع المدني (يثرب)ا
 - أولئك الذين قاموا بأعمال جليلة في الشئون العسكرية والسياسية ودعوة الناس إلى الدين
 - أولئك الذين نالوا شهرة عظيمة بين الناس من حيث علمهم بالقرآن، والفهم والتفقه في الدين. وقد نهج الخلفاء نهج الرسول في اختياره لأهل الشورى
 أما في عصرنا الحالي فبما أن سلطة التشريع في الدولة الإسلامية هي السلطة التي تتولى استنباط الأحكام الشرعية فيما يتعلق بشئون البشر من عبادات ومعاملات ونظام حكم، أي السلطة التي تضع القواعد لضبط أمور الدين وسياسة الدنيا وتصدر قوانينها في حدود المعايير التي أتت بها الشريعة الإسلامية، فإن هذه السلطة يتولاها كل قادر على استنباط الأحكام للوقائع وفقًا لما يتفق والأصول العامة للشريعة الإسلامية، ووفقًا لما يحقق أهدافها في التيسير على الناس ورفع الحرج عنهم وتحقيق غاياتها في إسعاد البشرية، وهذا يتطلب أن يكون متولي وضع القوانين في دولة الإسلام عالمًا بأحكام الشريعة الإسلامية، فاهمًا لأغراضها ومراميها، وهو أمر ينطبع على العلماء والباحثين في شتى المجالات، وعليه فإن سلطة التشريع في الدولة الإسلامية مكونة من الصفوة المختارة من الأمة، والذين أتيح لهم العلم والفهم: ككبار فقهاء الشريعة الإسلامية، وكبار قادة الجند، وكبار القضاة، وكبار العلماء الباحثين في شتى المجالات. وبذلك تكون سلطة التشريع قد جمعت شتى التخصصات، ويكون للعلماء والمجتهدين استنباط الأحكام الشريعة للوقائع بعد استلهام روح الشريعة ومشاورة المتخصصين.
 وقد اختلف العلماء في: من هم أهل الحل والعقد؟ فقد قال بعضهم: هم الأشراف والأعيان، وقال آخرون: هم العلماء ووجوه الناس (عظماؤهم بإمارة أو علم أو غيرها)، وذهب فريق منهم إلى أنهم "العلماء وأهل الرأي والتدبير. وهذا الخلاف بين العلماء لا مبرر له لأنه كان ينبغي أن تكون تسميتهم بأهل الحل والعقد مانعة من الخلاف فيهم، إذ المتبادر أنهم زعماء الأمة وأولو المكانة، وموضع الثقة من سوادها الأعظم؛ بحيث تتبعهم في طاعة من يولونه عليها فينتظم به أمرها وتكون بمأمن من الاضطرابات، والرأي أن أهل الحل والعقد في الأمة هم ممثلوها الحقيقيون الذين تدين لهم بالزعامة والطاعة سواء أكانوا من أهل العلم أم السياسة أم الإدارة أم المال
 وقد رأى الإمام ابن تيمية أن أهل الحل والعقد هم الذين أشار إليهم القرآن بـ "أولي الأمر" في قول الله تعالى" وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم"، وأنهم "الأمراء نواب ذي السلطان والقضاة وأمراء الأجناد وولاة الأموال والكتاب والسعاة على الخراج والصدقات"؛ وبذلك وسع من نطاقهم ليشملوا كل من يلي أمرًا من أمور المسلمين. وبالتالي انتقل من مفهوم "الصفوة" وضع القرار على مستوى الدولة ككل، إلى التسلسل في الولاية وضع القرار بمفهومه الشامل في كل جانب من جوانب الدولة. أما في المتأخرين فقد رأي الإمام محمد عبده أن أولي الأمر وأهل الحل والعقد هم الأمراء والحكام والعلماء ورؤساء الجند وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح، فهؤلاء إذا اتفقوا على أمر وجب أن يُطاعوا بشرط أن يكونوا مسلمين "أولي الأمر منكم" وألا يخالفوا أمر الله ولا سنة رسول الله التي عرفت بالتواتر، وأن يكونوا مختارين في مجتمعهم وفي الأمر، وأن يكون ما يتفقون عليه من المصالح العامة

  
الأمة والشورى
 ويستلزم التمييز بين مستويات وجوب الشورى على أفراد الأمة التمييز بين مسائل الشورى المختلفة، والتي يمكن تقسيمها إلى:
 - مسائل تشريعية ذات صبغة فقهية خالصة: يكون أداء المشورة فيها واجب على علماء الأمة، وإذا كان البعض قد ذهب إلى أنه في حالة اختلافهم فإنه يؤخذ بالرأي الأقوى دليلاً، فإن هذا أمر يخضع للتقدير وبسببه نشأت المذاهب الفقهية، وهو ما دعا بعض الكتابات الحديثة إلى المطالبة بتطبيق الشورى في الاجتهاد؛ أي الأخذ برأي الأغلبية حيث إن "الاجتهاد الجماعي" في عصرنا لازم لتعقد جوانب الحياة وتشابكها.
 - مسائل فنية خالصة: يُؤخذ فيها برأي الفنيين المتخصصين، والمشورة فيها فرض كفاية على الأمة، واجبة على المتخصصين في كل مسألة. وتعتمد الشورى فيها في الرؤية الإسلامية على آلية "النقابة" التي تلجأ إليها الدولة في هذا الصدد؛ لأنها تضم أهل التخصص والكفاءة، وقد يكون اجتهادهم فرديًا، كما قد يكون جماعيًا في الأمور التي تستلزم ذلك، وقد ورد ذكر "النقابة" في القرآن في سورة المائدة الآية 12 في سياق الحديث عن بني إسرائيل، حيث كانت النقابة هي رئاسة أصحاب النسب الواحد، وهو معنى مقارب للخبرة الإسلامية في بيعة العقبة الثانية، وقد تعرض أبو يعلى الفراء وأبو الحسن الماوردي للنقابة على الأنساب وفصلوا مهامها التي تتشابه في جوانب عديدة مع وظيفة النقابات في الواقع المعاصر، وهو الواقع الذي يقوم على الوظائف الاقتصادية والاجتماعية وليس على النسب.
 - مسائل عامة تتعلق بعمل تقوم به الأمة ويحتاج فيه لمعرفة رأي الناس جميعًا: وأداء الشورى فيه فرض عين إذ يلزم معرفة رأي الكافة عن طريق الاستفتاء العام، وهو ما يمكن تسميته "اجتهاد الجماعة"، ويمكن القول إن طبيعة المجتمع الإسلامي في الرؤية الإسلامية المعاصرة هي أقرب إلى النظام التعاضدي Corporative System منها إلى النظام التعددي Pluralist System ، حيث ترتبط جماعات المصالح في الأول بالدولة، وهو ما يشبه ارتباط النقابات في الرؤية الإسلامية بالدولة لوحدة العقيدة والشريعة ودورها التوحيدي، في مقابل الطبيعة الصراعية التنافسية لجماعات المصالح في النظام التعددي.
 - مسائل تتعلق بتنظيم أوضاع الفئات الاجتماعية المختلفة: وأداء الشورى فيها واجب عيني على المنتمين لهذه الفئات إذ يلزم -كما في المسائل العامة- معرفة رأي أهلها جميعًا، وهو ما يمكن تنظيمه عن طريق النقابات بالنسبة للمهنيين، أو الاستفتاء الجزئي لأصحاب المصلحة الخاصة إذا لم يكن لهم نقابة.
 إن الأمة هي في مجموعها "أهل الشورى" وتتفاوت درجة الوجوب باختلاف المسألة محل الشورى من ناحية، وأهلية كل فرد من ناحية أخرى. ويمكن تصور إدارة النظام السياسي الإسلامي من خلال الشورى في هذه المستويات الأربعة، ولا يلزم أن تكون الشورى من خلال "مجلس شورى" واحد جامع كما ذهب البعض، إذ أنها مسألة تخضع لتقدير المصلحة وطريقة إدارة المجتمع الذي قد يتفاوت حجمًا ونظامًا اقتصاديًّا وتركيبًا اجتماعيًّا.

 

 

 
 
 
 
 
    جميع حقوق النشر محفوظة لـ موقع مراجعات فكرية