( 1 ) الحـلقـــــة
 

صدام كان مستعدا للمرونة مع إسرائيل
وإستراتيجيته تمثل قمة الغباء السياسي

القادة التاريخيون للجماعة الإسلامية المصرية في كتاب جديد

 

القاهرة :الشرق الأوسط

 

أكدت الجماعة الإسلامية المصرية أن استعانة المملكة العربية السعودية بالقوات الأمريكية في حرب تحرير الكويت سنة 1990 كانت موقفا صحيحا وجاءت مستندة على أسس شرعية صحيحة، وحسابات واقعية سديدة. وأضافت الجماعة الإسلامية في كتابها الجديد «الإسلام وتهذيب الحروب» والذي تنفرد «الشرق الأوسط» بنشره أن موقف المملكة العربية السعودية من الالتزام بتطبيق الشريعة موقف متميز على مستوى دول العالم الإسلامي قل نظيره، وهو ما يستوجب دعمه والحفاظ عليه.

وقال القادة التاريخيون للجماعة الإسلامية المصرية، والذي ما زال عدد منهم في المعتقلات بتهمة قتل الرئيس المصري الراحل أنور السادات في كتابهم الجديد الذي يأتي في إطار سلسلة تصحيح المفاهيم التي أصدرتها الجماعة الإسلامية بعد مبادرتها لوقف العنف التي انطلقت عام 1997، إن اتهام السعودية بمخالفة الشريعة لاستعانتها بأمريكا اتهام خاطئ لأنه بني على خطأ في تنزيل حكم الاستعانة بغير المسلمين، وعلى خطأ في قراءة الواقع، واصفين أزمة احتلال العراق للكويت عام 1990، بأنها أزمة عصفت بالنظام العربي الإقليمي الهش. وأنها هددت مصالح أكثر من دولة بالمنطقة، وهددت استقرار سوق النفط كسلعة إستراتيجية، وفتحت الباب أمام الوجود الأجنبي بالمنطقة لترسيخ أقدامه فيها.

وقال عصام الدين دربالة احد القادة التاريخيين للجماعة الإسلامية ومؤلف الكتاب والمحكوم عليه بالأحكام الشاقة المؤبدة في قضية 81 «تنظيم الجهاد»، وعضو مجلس شورى تنظيم الجماعة الإسلامية المصرية، إن المطامع الأمريكية في بترول المنطقة أمر غير خاف على أحد، وهو الذي سيدفع أمريكا للتدخل الحاسم ضد صدام بغض النظر عن آراء دول المنطقة، وهو ما حدث بالفعل عندما علل جيمس بيكر وزير الخارجية الأميركي آنذاك إرسال أمريكا لنصف مليون جندي لصحراء الخليج بأنه من اجل ثلاثة حروف فقط: OIL . وان تهذيب المطامع الأمريكية يكون بجعل تدخلها في إطار دولي موسع وفي ظل وجود قوات من بلاد عربية وإسلامية كمصر وسورية ودول الخليج... الخ، وهو ما حدث بالفعل، مضيفا أن صدام كان يطمح إلى مد سيطرته على مناطق جديدة لإنتاج البترول، وتقديم نفسه لأمريكا كحليف يضمن التدفقات البترولية لها وللغرب بأمان وحمايتها من الطموح الإيراني، ومنع سيطرة الإسلاميين المناوئين لأمريكا على الدول التي تنتجه في منطقة الخليج مع استعداده لإبداء مرونة في الموقف العراقي من إسرائيل، وكانت تمثل إستراتيجية صدام هذه قمة الغباء السياسي.

وتروي الجماعة الإسلامية المصرية ما حدث في كتابها بقولها «انه بعد أن أنهى الرئيس العراقي صدام حسين سنة 1988 نزوته التي أشعلت الحرب العراقية ـ الإيرانية، التي امتدت من سنة 1980 إلى سنة 1988، فاجأ الجميع في 2 أغسطس (آب) سنة 1990 باجتياح قواته الكويت معلنا ضمها للعراق، ووجد أمير الكويت جابر الأحمد الصباح نفسه خارج بلاده وفي استضافة الملك فهد بالسعودية، وبعد عدة أيام أعلن ملك السعودية دعوته للقوات الأمريكية للتدخل لتأمين الأوضاع ضد مخاطر أي هجوم عراقي على السعودية، وللمشاركة في طرده من الكويت. وما لبث أن اجتمع مجلس الأمن واصدر قرارا تم بمقتضاه تكوين التحالف الدولي بقيادة أمريكا لتحرير الكويت من صدام حسين. فقد تكوّن هذا التحالف من 27 دولة بينها دول عربية وإسلامية وأوروبية وغيرها. وبلغ عدد قواته أكثر من 500 ألف جندي، وسرعان ما أجبرت تلك القوات صدام حسين على الانسحاب من الكويت في مارس (آذار) سنة 1991.

ويضيف الكتاب «في أثناء هذه الأحداث وبعد انتهائها ثارت ثائرة البعض على موقف المملكة العربية السعودية لاستدعاء القوات الأمريكية والسماح لها بالتمركز على أراضيها، وكانوا ينطلقون في رفضهم لهذا الموقف من أمور عدة هي: أن هذا الاستدعاء لهذه القوات لا يصح لأنه من باب الاستعانة بغير المسلمين وهو لا يجوز، وان السعودية بذلك الصنيع سمحت بوجود المشركين والنصارى بجزيرة العرب، وهو ما خالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأخرجنَّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا ادع فيها إلا مسلما»، وان السعودية بذلك الصنيع فتحت الباب أمام التدخل الأميركي في المنطقة، والوجود العسكري بها، وما يحمله ذلك من مخاطر ومطامع فضلا عن انه لم تكن هناك حاجة لذلك، وكانت تكفي الاستعانة ببعض الدول الإسلامية.

ويفند دربالة هذه الأقاويل بقوله أن المتأمل في هذه الأدلة لا يملك إلا أن يختلف مع أصحابها؛ لأنها بنيت على خطأ في تنزيل حكم الاستعانة بغير المسلمين، وعلى خطأ في قراءة الواقع، فهم كانوا غير دقيقين في معرفة وتنزيل الأحكام الشرعية في هذه القضية، وأيضا كانوا غير واقعيين في تقديراتهم وتصوراتهم الواقعية، فأزمة احتلال العراق للكويت سنة 1990، لم تكن أزمة عارضة أو عابرة، ولكن حملت بين طياتها كل سمات الأزمات المعقدة والمركبة والعميقة، فقد كان لها أبعاد عدة: أنها أزمة إقليمية ودولية في آن واحد، وأنها أزمة عصفت بالنظام العربي الإقليمي الهش، وأنها مهددة لمصالح أكثر من دولة بالمنطقة، وهي أزمة مهددة لاستقرار سوق النفط كسلعة إستراتيجية، كما أنها أزمة تفتح الباب أمام الوجود الأجنبي بالمنطقة لترسيخ أقدامه فيها.

ومن هنا تقول الجماعة الإسلامية أن ملامح المشهد الناجم عن هذه الأزمة تمثل في الآتي: هو دولة محتلة ـ وهي الكويت ـ يسعى أميرها إلى استعادتها من المحتل العراقي بكل الوسائل الممكنة، وفي مقدمة تلك الوسائل طلب التدخل العسكري الأميركي والمعاونة السعودية ودولة غازية ـ وهي العراق ـ يهدف رئيسها صدام حسين إلى مد سيطرته على مناطق جديدة لإنتاج البترول، وتقديم نفسه لأمريكا كحليف يضمن التدفقات البترولية لها وللغرب بأمان وحمايتها من الطموح الإيراني، ومنع سيطرة الإسلاميين المناوئين لأمريكا على الدول التي تنتجه في منطقة الخليج مع استعداده لإبداء مرونة في الموقف العراقي من إسرائيل، وكانت تمثل إستراتيجية صدام هذه قمة الغباء السياسي، ودولة مهددة أن عاجلا أو آجلا ـ وهي السعودية ـ بامتداد مغامرة صدام حسين إليها، وفي نفس الوقت لجأ إليها أمير الكويت طالبا المعونة والمساندة لاسترداد أمارته، ودولة عظمى ـ وهي أمريكا ـ ترى في مغامرة صدام حسين تهديدا لأمنها القومي لاحتلاله دولة بترولية، ولسعيه في التحكم في تلك السلعة الإستراتيجية، بالإضافة إلى تهديد أمن إسرائيل نتيجة لتعاظم قوته، إذا ما ترك وشأنه، فضلا عن تهديد علاقة أمريكا بحلفائها بالمنطقة، إذا ما تقاعست عن نصرة الكويت.

وأضافت الجماعة الإسلامية أن الموقف السعودي باستدعاء القوات الأمريكية واستقبال قوات التحالف الدولي لتحرير الكويت جاء مبنيا على قراءة صحيحة للواقع الآتي، فتاريخ صدام حسين الحافل بالمغامرات العسكرية والتحليل النفسي لشخصيته يستوجبان الحذر من امتداد مغامرته للسعودية بعد الانتهاء من هضم الكويت، كما أن الدول العربية والإسلامية لا قدرة لديها ولا رغبة عند بعضها للوقوف في وجه صدام حسين، وان اللجوء للاستعانة بهذه الدول سيؤدي إلى إطالة أمر الصراع، ولن يمنع من تدخل دولي في هذه الأزمة، كما أن الولايات المتحدة ـ بجانب أنها القوة القادرة على مواجهة صدام حسين ـ فإنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا الاحتلال إذا لم يتم استدعاؤها. وإذا كانت أمريكا ستتدخل في كل الأحوال، فالأولى أن تتدخل بشروط تسهم السعودية في صياغتها، بدلا من انفراد أمريكا بذلك. كما أن الوجود العسكري الأميركي في المنطقة ليس غائبا، فهو قائم في أكثر من بلد وحاملات الطائرات الأمريكية تجوب الخليج وبحر العرب والمحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط فضلا عن وجودها في عدد من القواعد الأرضية بالمنطقة.

وقالت الجماعة الإسلامية أن تهذيب المطامع الأمريكية يكون بجعل تدخلها في إطار دولي موسع وفي ظل وجود قوات من بلاد عربية وإسلامية كمصر وسورية ودول الخليج... الخ، وهو ما حدث بالفعل. كما أن هناك التزاما أدبيا ومصلحة ضرورية في دعم أمير الكويت سواء التزاما باتفاقيات مجلس التعاون الخليجي أو لإضعاف صدام حسين الذي بات يلعب دورا مهددا لجيرانه بما فيهم السعودية، مضيفة أن رفض السعودية للتحالف مع أمريكا لإخراج صدام حسين من الكويت والامتناع عن تقديم تسهيلات على أراضيها للقوات الأمريكية لن يمنع من التدخل الأميركي من جهة، ومن جهة أخرى سيعرض النظام السعودي بعد الانتهاء من تلك الأزمة إلى ضغوط أميركية وغربية تستهدف نظامها الحاكم، وسوف يكون احد مصادر هذه الضغوط تطبيقها للشريعة الإسلامية والتذرع بقضايا حقوق الإنسان، وهذه نتائج غير مرغوبة دينيا وسياسيا.

وحول الأسس الشرعية الصحيحة للموقف السعودي من الأزمة قالت الجماعة الإسلامية أن هناك قضيتين كان الموقف السعودي محلا للانتقاد فيهما وهما: الاستعانة بغير المسلمين في قتال الجيش العراقي والسماح بوجود المشركين والنصارى بجزيرة العرب. وترد الجماعة الإسلامية على هذين الانتقادين بقولها انه عندما تريد تحديد الموقف الشرعي من أي قضية لا بد من تصور أبعادها والوقوف على تفصيلاتها أولا قبل إصدار حكم شرعي بشأنها، ومن هنا فان الموقف السعودي جاء سريعا ومعلنا التحالف مع أمير الكويت لردع ومنع صدام حسين من امتداد مغامرته إلى المناطق البترولية السعودية، ولطرده من الكويت، ولا شك في مشروعية مثل هذا التحالف، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم «ستصالحون الروم صلحا وتغزون انتم وهم عدوا من ورائكم» وهذا دليل على جواز مثل هذا التحالف من حيث المبدأ، لأنه لو كان محرما لأبان ذلك النبي لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولأنه في صلح الحديبية دخلت قبائل شتى في حلف النبي صلى الله عليه وسلم في مواجهة قريش، وما سبق ذكره بشأن تحالف النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود دفاعا عن المدينة ضد أي عدو يداهمها، وكذلك الميثاق الذي عقده مع بني ضمرة، ومدح رسول الله لحلف الفضول الذي كان قبل الإسلام وقوله «ولو ادعى به في الإسلام لأجبت»، وفي ذلك يقول الامام الماوردي «هذا وان كان فعلا جاهليا دعتهم إليه السياسة فقد صار بحضور رسول الله وما قاله في تأكيد أمره حكما شرعيا وفعلا نبويا» أ.هـ. والذي يتأمل في موقف وطبيعة نظام الرئيس العراقي صدام حسين لن يتردد في تصنيفه في عداد عتاة الطغاة، وهناك أيضا ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية: «والذي نفسي بيده لو سألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله الا أعطيتموها. وتعليقا على ذلك يقول الامام ابن القيم «ومنها أن المشركين وأهل البدع والفجور والبغاة والظلمة، إذا طلبوا امرا يعظمون فيه حرمة من حرمات الله تعالى أجيبوا إليها وأعطوه وأعينوا عليه، وان منعوا غيره، فيعانون على تعظيم حرمات الله تعالى لا على كفرهم وبغيهم ويمنعون مما سوى ذلك، فكل من التمس المعاونة على محبوب لله تعالى مرض له أجيب إلى ذلك كائنا من كان ما لم يترتب على اعانته على ذلك المحبوب مبغوض لله أعظم منه، وهذا أدق المواضع وأصعبها وأشقها على النفوس، ولذلك ضاق عنه من الصحابة من ضاق».

وأكدت الجماعة الإسلامية أن إنهاء مغامرة صدام حسين يدخل في محاب الله التي يعان عليها، ويطلب الإعانة من اجلها، وهذه الأدلة تبين أن خيار التحالف مع أمريكا والدول الأخرى التي تحالفت معها لا غبار عليه شرعا في ظل تلك الظروف والملابسات.

وتواصل الجماعة الإسلامية سرد الانتقادات التي وجهت للسعودية وتفنيدها فتقول «لم يمر هذا الموقف السعودي دونما توجيه اعتراض عليه، وانتقاد له من دوائر عديدة مثل انه لا يجوز الاستعانة بالمشركين أو أهل الكتاب في قتال العراق، وانه كان بوسع السعودية الاستعانة بالقوات العربية والإسلامية لحماية حدودها، وطرد جيش صدام من الكويت، وان استدعاء القوات الأمريكية يخالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخراج المشركين من جزيرة العرب.

وتجيب الجماعة على هذه الاعتراضات بقولها انه قبل مهاجمة السعودية لا بد من التأكيد على أن الخيار الذي تبنته هو التحالف مع أمريكا ودول أخرى إسلامية وغير إسلامية، لتحقيق هدفين أساسيين هما بالترتيب؛ حماية السعودية من المطامع العراقية، وطرد الجيش العراقي من الكويت، وهذا الخيار جائز بشروط محددة وهي: أن تكون هناك حاجة ومصلحة تقتضي ذلك وان يؤمن جانب غير المسلمين، وان يصدر ذلك عن الامام المسلم، وهذا هو قول جمهور العلماء كما سبق بيانه، وإذا ما طبقنا تلك الشروط على الموقف السعودي فإننا سنجد انه كانت هناك حاجة بالفعل للاستعانة بأمريكا لعدم قدرة السعودية على رد خطر اجتياح صدام حسين للسعودية، ولعدم وجود دول إسلامية تستطيع إرغام صدام حسين على عدم القيام بهذا، كما كان الإسراع في الدخول في هذا التحالف مع أمريكا بعد الغزو العراقي للكويت بفترة وجيزة له أهمية في ردع صدام حسين ومنعه من استكمال تحرك جيشه إلى ما هو ابعد من الكويت، لأنه سيدرك انه بات في مواجهة مع القوة العظمى التي يريد أن يتملقها والتي دخلت في تحالف مع السعودية ضد مشروعه. وأيضا كانت هناك مصلحة تستوجب ذلك تتمثل في الحفاظ على النظام السعودي الذي يطبق الشريعة الإسلامية، والذي كان سقوطه يعني قيام حكومة بعثية بالسعودية ترفع لواء القومية والبعثية بكل ما يعنيه ذلك من ضياع للدين وتغييب للشريعة على غرار ما كان حادثا في العراق في ظل حكم صدام حسين. كما أن السعودية وهي تعلم بالمطامع الأمريكية حاولت التقليل منها واخذ الاحتياطات تجاهها في حدود قدراتها، وحرصت على أن يصدر قرار عن مجلس الأمن بالتدخل الدولي في الكويت مع مشاركة دول إسلامية، في ظل الاتفاق على عودة الجنود الأمريكان إلى بلادهم بمجرد إعلان انتهاء العمليات العسكرية، وهو ما تم بالفعل، مشيرة إلى أن التحالف السعودي مع أمريكا جنب السعودية مخاطر الضغط الآجل عليها إذا لم تقبل هذا التحالف. كما انه إذا لم يكن ممكنا أن تكون الكلمة الفاصلة في هذا التحالف للسعودية، فان مخاطر هذا لم ولن تؤدي إلى مفاسد كبيرة لان هناك التقاء في المصالح مع الطرف الأميركي، واتفاقا معه على الأهداف.

قد يصلح هذا مع الجيش الكافر فهل تصح هذه الاستعانة أو التحالف ضد جيش مسلم؟ تجيب الجماعة الإسلامية في كتابها الأخير «الإسلام وتهذيب الحروب» على هذا بقولها: نحن لا نحكم على كافة افراد الجيش العراقي بالكفر، لكن الحكم هنا يتعلق بالنظام الحاكم بالعراق والذي كان يرفع لواء القومية العربية ومبادئ حزب البعث العربي الاشتراكي. ومثل هذا النظام عندما يدهم دولة إسلامية أخرى ويهددها لا يمكن اعتباره نظاما باغيا يخضع لأحكام أهل البغي، وعلى فرض أن هذا يصح، فهناك قول العلامة شهاب الدين قليوبي الشافعي عند حديثه حول جواز الاستعانة بالكفار على أهل البغي: «فيحرم إلا للضرورة»، كما أن أهل الرأي أجازوا الاستعانة بالذميين والمستأمنين على أهل البغي بشرط أن يمنعوهم عن فعل ما لا يجوز.

وقال دربالة أن أصحاب الاعتراض على استعانة السعودية بقوات أميركية أجنبية وعدم استعانة السعودية بجيوش إسلامية وعربية لمواجهة التهديد العراقي لها: يعتقدون انه كان بإمكان جيوش الدول الإسلامية تحقيق هذين الهدفين، وهم يريدون منا التسليم بهذا التقدير الذي نخالفهم فيه للآتي: أن تحقيق هدف ردع صدام حسين لمنعه من تهديد السعودية كان يقتضي الإسراع في إيجاد حليف قوي يدرك صدام حسين، انه لا قبل له به، وان توجد قوات هذا التحالف في أسرع وقت ممكن، وهذا لم يكن متوفرا سوى في الحليف الأميركي الذي جاء إعلانه إرسال قواته إلى الخليج بعد عدة أيام قليلة من الغزو رادعا لأي طموحات عراقية محتملة في السعودية. أما اللجوء لجيوش الدول الإسلامية فلم يكن يحقق مثل هذا الردع، ولا يوفر السرعة المطلوبة لمواجهة هذا التهديد لضعف الإمكانيات مقارنة بالحليف الأميركي. كما أن أي مقارنة بين قدرات الجيش العراقي آنذاك والقوات التي يمكن إرسالها من الدول الإسلامية التي توافق على ذلك توضح عدم قدرة هذه القوات على طرد الجيش العراقي من الكويت، وهذا يعني إطالة أمد النزاع أو استنزاف تلك القوات لفترات طويلة، بالإضافة إلى أن تقدير مدى الحاجة في الاستعانة بأهل الكتاب والمشركين في القتال، انما يعود للحاكم المسلم الذي يكون على دراية اكبر بأبعاد الموقف والأخطار المحدقة وأنجع السبل لمواجهتها، ونحسب أن اقدر الأطراف على القيام بذلك في تلك الأزمة هي القيادة السعودية.

أن التخوف من زيادة الوجود الأجنبي بالخليج والجزيرة العربية، إذا ما تمت الاستعانة بأمريكا لا يقوم على أساس صحيح من الواقع: لان مثل هذا الوجود كان قائما ولا تتوقف زيادته على وجود هذه الأزمة لان هذا متاح فعله أمام أمريكا في أي وقت تشاء دون حاجة للتذرع بالتدخل في هذه الأزمة، فأغلب دول المنطقة ترحب بذلك، وعلى استعداد لمناقشة هذا الأمر والاستجابة له. هذا فضلا عن أن الاستعانة بالجيوش الإسلامية له تحول دون التدخل الأميركي المتكئ على دعوة أمير الكويت له، وعلى قرار الأمم المتحدة القاضي بذلك، وبناء على هذا كله يظهر أن التحالف السعودي مع أمريكا كان يحقق الردع لصدام حسين وطرده من الكويت، وقيام هذا التحالف يسمح بتهذيب المطامع الأمريكية التي لم تكن تمنعها الاستعانة بجيوش إسلامية لم تكن قادرة حقيقة على تحقيق أي شيء أكثر من إطالة أمد النزاع على أحسن تقدير، والانصياع للأجندة الأمريكية في نهاية المطاف.

 

المصــدر : جريدة الشرق الاوسط
 
 
 
 
 
    جميع حقوق النشر محفوظة لـ موقع مراجعات فكرية