( 3 ) الحـلقـــــة
 

الجماعة الإسلامية : العمليات الفدائية تتوقف
مشروعيتها على التزامها بالضوابط

منهج الإسلام في تهذيب الحروب يتجلى في كل جوانبها
ومن بدايتها حتى نهايتها

 

القاهرة : الشرق الأوسط

 

أكدت الجماعة الإسلامية المصرية أن العمليات الفدائية تتوقف مشروعيتها على مدى الالتزام بالضوابط المقررة في الشريعة وما تحققه من مصالح وما ينجم عنها من مفاسد، وأكدت الجماعة الإسلامية في كتابها الجديد «الإسلام وتهذيب الحروب» الذي تنفرد «الشرق الأوسط» بنشر حلقات منه على أنه يجب النظر إلى ما عدده العلماء من المفاسد والمصالح المترتبة عن هذا الفعل.

واعتبرت الجماعة الإسلامية المصرية في كتابها الذي يأتي في إطار سلسلة تصحيح المفاهيم التي أصدرها القادة التاريخيون للجماعة عقب مبادرة وقف العنف التي أطلقوها عام1997 وتراجعوا فيها عن جميع أفكارهم التكفيرية التي اعتنقوها من قبل، أن الحرب التي تقودها الولايات المتحدة في العالم حرب استباقية ووقائية للحفاظ على المصالح الأمريكية على كل العالم، وتساءلت أنه «في حين تتحدث أمريكا عن الحرب النظيفة وضوابطها، لكن إذا ما طبقنا هذه الضوابط على ما حدث في العراق فلنا أن نتساءل: أين الشرعية في هذه الحرب كي تصير حرباً عادلة؟ أين هي ونحن نرى الرفض الشعبي العالمي والرفض الدولي ممثلاً في مجلس الأمن والأمم المتحدة، وأين الالتزام بعدم إيذاء المدنيين والطائرات بي 2 تلقي بين الفينة والفينة قنبلة وزنها عدة أطنان على أحياء بغداد السكنية؟

أرجعت الجماعة الإسلامية المصرية اقتران ظهور أسلوب العمليات الفدائية «بمقاومة الاستعمار للنصف الثاني من القرن العشرين، حيث لجأت العديد من حركات التحرر من الاستعمار إلى قيام مقاتليها بتفجير عبوات ناسفة يحملونها في وسط تجمعات من جنود الاحتلال، وتزايدت هذه النوعية من العمليات وتنوعت صور تنفيذها: فتارة كانت تتم بواسطة تفجير سيارة ملغومة بواسطة سائقها، وتارة بواسطة حزام ناسف يرتديه من سيقوم بالعملية، أو حقيبة متفجرات يحملها معه ويركب بها في حافلة مزدحمة، ونتيجة لصعوبة الوصول إلى أماكن تجمعات جنود الاحتلال، بدأت هذه النوعية من العمليات تتجه إلى تنفيذها في أماكن يتواجد بها هؤلاء الجنود وغيرهم من المدنيين سواء من أبناء القطر المحتل أو من المستعمرين، مما كان يؤدي إلى وقوع ضحايا من بين الأبرياء، ومع وجود فارق ضخم في موازين القوى بين هذه الحركات والمستعمرين، ازداد عدد هذه العمليات».

وترصد الجماعة الإسلامية في البداية موقف العديد من العلماء المعاصرين المؤيدين لهذه النوعية من العمليات استناداً إلى الآتي حسب ما أوردته في الكتاب: «إنه يجوز للمسلم أن يحمل على صف العدو ليحدث فيه نكاية حتى لو غلب على ظنه أنه يقتل، وأن هذا لا يعد من قبيل إلقاء النفس في التهلكة، وهو ما وضع له العديد من علماء السلف الصالح قيوداً ينبغي الالتزام بها، وأن الذي يقدم على تفجير نفسه من أجل إعلاء كلمة الله ولتحرير وطنه من المستعمرين لا يمكن إطلاق اسم المنتحر عليه، لأن المنتحر لا يموت من أجل مبدأ ودين بخلاف الذي يقوم بهذه العملية، وممن أفتى بذلك من العلماء المعاصرين الشيخ يوسف القرضاوي، والدكتور نصر فريد واصل مفتي مصر الأسبق، والشيخ محمد الحاج ناصر الخبير في مجمع الفقه الإسلامي الدولي بالمغرب، والدكتور فتحي الدريني عضو مجلس الإفتاء الأردني، وسعيد قفة المفكر الإسلامي.

وغيرهم آراء بعض العلماء المعاصرين المعارضين لهذه العمليات ويستندون على الآتي: إن هذه العمليات تنطوي على قتل الإنسان لنفسه بيقين وهو أمر محرم في الشريعة لقوله تعالى: [...وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ...] وأن الإقدام على هذه العمليات يندرج في إلقاء النفس في التهلكة وهو أمر منهي عنه لقوله تعالى: [وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ...]، وردوا على استدلال المؤيدين بجواز اقتحام الرجل لصفوف الأعداء لإحداث نكاية فيهم، ولو مع غلبة الظن بقتله، بأن هناك فارقًا بين هذه المسألة ومسألة تفجير الإنسان لنفسه، فمقتل الذي يقوم بالعملية الانتحارية يتم بيده هو وهذا يعد انتحاراً، بينما مقتل الذي يحمل على صفوف الأعداء يكون بيد غيره، وأن الذي يحمل على الصف يغلب على ظنه أن يقتل، ويمكن أن ينجو، أما الذي يقوم بهذه العملية الانتحارية على يقين من القتل ولا توجد لدية فرصة للنجاة. وممن قال بهذا الرأي بعض العلماء المعاصرين مثل الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، والشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله، والدكتور صالح بن غانم السدلان وغيرهم».

وقالت الجماعة الإسلامية «إن القيام بهذه العمليات لا يجوز إلا إذا توفرت القيود والضوابط التي وضعتها الشريعة، والتي أبانها العلماء والمتمثلة في الآتي: ألا يكون هناك سبيل آخر غير تفجير الشخص لنفسه لتحقيق الهدف من وراء مثل هذه العملية ولا يترتب عليه مفاسد إضافية كإمكانية القبض على المنفذ وما يتبع ذلك من حصول قوات الاحتلال على معلومات عن الخلايا المقاومة عبر اعترافات المقبوض عليه، وأن يكون الصف الذي سيهاجمه القائم بهذه العملية صفًا يجوز قتله ولا يختلط به من لا يصح قتله، وأن يتحقق من وراء ذلك الهجوم مصلحة ضرورية قطعية كلية راجحة ولا ينجم عنه مفسدة أكبر منها».

وأكدت الجماعة الإسلامية أنه يجب النظر إلى ما عدده العلماء من المفاسد والمصالح المترتبة عن هذا الفعل على أساس أن حالة الحرب قائمة ومشتعلة، لأنه عند القيام بهذه العمليات دون أن تكون هناك حرب قائمة بالفعل ستظهر مفاسد عديدة قد لا تكون واردة إذا كان هذا الانغماس حال قيام الحرب، ولكن ليس معناه أن يتم الإقدام عليه دون الضوابط المذكورة أو بإغفال المفاسد التي قد تنجم عنه.

وأضافت الجماعة الإسلامية إنه بعد التأكد من توفر القيود والضوابط المطلوبة يجب النظر إلى المصالح المرجوة منها والمفاسد المترتبة على فعلها وذلك قبل القول بجوازها، مع مراعاة أن حسابات المصالح والمفاسد تلك تتغير من زمان لآخر.

وفي حين اعتبرت الجماعة الإسلامية الحرب التي تقودها أمريكا ضد العالم حربا استباقية ووقائية للحفاظ على المصالح الأمريكية على كل العالم، قالت إن الإسلام جاء منحازاً للحرب العادلة النظيفة، فالحرب حقيقة واقعية لا مفر من وقوعها أحياناً، ومن ثم يجب تهذيبها، وأول الأمور التي تحتاج لمثل هذا التهذيب ما يتبع فيها من وسائل وأساليب، وإذا كان لا بد في الحروب من قتل وتدمير وكان لا بد من التطلع لتحقيق النصر فقد اختط الإسلام لنفسه خطة واقعية، ولم يكن مغرقًا في المثالية، فالأمر يحتاج إلى موازنة بين أمرين يصعب الجمع بينهما، تهذيب الوسائل والأساليب والحفاظ على الفاعلية في أداء الجيوش، وهذا التوازن هو ما انحاز إليه الإسلام محققًا امتزاجاً بديعاً بين الفاعلية والرحمة والعدل، وجاءت الأحكام التي تضبط اختيار وأداء الوسائل إلى القتالية مترجمة لمبدأ الفاعلية في الوسائل في إطار من العدل والرحمة، ويتبدى هذا التوازن في الآتي: حصر نطاق القتل في أضيق نطاق ممكن، وحصر نطاق التدمير في أضيق نطاق ممكن: فعندما نتأمل في وصية أبي بكر الصديق ليزيد حينما بعثه أميراً نعلم مدى حرصه على جعل التدمير في أضيق نطاق، يقول الصديق: «يا يزيد لا تقتل صبياً ولا امرأة ولا هرماً ولا تخربن عامراً ولا تعقرن شجراً مثمراً ولا دابة عجماء ولا شاة إلا لمأكلة، ولا تحرقن نحلاً ولا تغرقنه: ولا تغلل ولا تجبن». وأيضا البعد عن الأساليب القاسية إلا للضرورة: كالتحريق والتغريق، وما يماثلهما في العصر الحديث لا يلجأ إليها الإسلام إلا عند العجز عن الانتصار على العدو إلا بها، وفي ذلك يقول الإمام ابن قدامة الحنبلي: «وإذا حورب العدو لم يحرقوا بالنار»، «أما العدو إذا قدر عليه فلا يجوز تحريقه بالنار بلا خلاف». وقالت الجماعة الإسلامية المصرية إنه في حين تتحدث أمريكا عن الحرب النظيفة وضوابطها، لكن إذا ما طبقنا هذه الضوابط على ما حدث في العراق فلنا أن نتساءل: أين الشرعية في هذه الحرب كي تصير حربًا عادلة؟

وأوضحت الجماعة الإسلامية المصرية أن فتاوى قتل المدنيين لم تكن معبرة عن الموقف الإسلامي الصحيح من المدنيين لأن الشريعة الإسلامية اختطت منهجًا مغايراً عما عبرت عنه هذه الفتاوى. فالإسلام جاء بفلسفة «تهذيب الحروب»، تلك الفلسفة النابعة من اعتراف الإسلام بالحرب كظاهرة بشرية وحقيقة واقعية فاعترف بوجودها ولم ينكر دواعيها، ومن ثم عمد إلى صبغها بصبغته الرحيمة «صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة». تلك الصبغة التي تتجاوب مع مقتضيات الواقع وتطلعات الفطرة الإنسانية إلى دحر الظلم ورد العدوان مهذباً كل ذلك بقيمه السامية النبيلة. ومنهج الإسلام في تهذيب الحروب يتجلى في كل جوانبها ومن بدايتها حتى نهايتها: فالإسلام يحاول أولاً منع نشوبها، والإسلام يجعل غاية الحروب ـ إذا ما نشبت ـ غايات نبيلة بعيدًا عن الغايات الدنيئة النابعة من الرغبة في الثأر أو السلب أو البغي والعدوان، والإسلام لم يقبل منطق الحرب البربرية التي تدمر اليابس والأخضر وتسعى لاستئصال الخصوم عن بكرة أبيهم، والإسلام هذب الوسائل المستخدمة تهذيباً يجمع بين صبغها بالرحمة والحفاظ على الفاعلية، والإسلام قدم نموذجاً رائعاً في التعامل الرحيم مع الأسرى والنساء والأطفال والشيوخ والعجائز والرهبان. والإسلام فتح الباب أمام إنهاء الحرب بكل طريق يحقق مصلحة المسلمين. وهكذا جاءت رؤية الإسلام شاملة لتهذيب جوانب الحرب كلها، وأول الأمور التي تحتاج إلى تهذيب ما يتبع فيها من وسائل وأساليب ومن يستهدف بقتل أو ترويع، ولذلك انحاز الإسلام إلى الحرب العادلة النظيفة الرحيمة، فمن العدل ألا يقصد بالقتل مدني لم ينتصب للقتال، ومن الرحمة ألا يسمح باستخدام الوسائل الوحشية والأساليب الهمجية.

 

المصــدر : جريدة الشرق الاوسط
 
 
 
 
 
    جميع حقوق النشر محفوظة لـ موقع مراجعات فكرية