( 5 ) الحـلقـــــة
 

الجماعة الإسلامية المصرية : خطف الطائرات
والمساومة بركابها لا يجوز شرعا

الجماعات التي تفجر البنى التحتية تخلق نقمة عامة ضد الإسلام
 

القاهرة : الشرق الأوسط

 

أكدت الجماعة الإسلامية المصرية، حرمة تدمير البنى التحتية والمؤسسات الحكومية، لأنها مملوكة للشعب، كما أكدت حرمة خطف الطائرات المدنية وتعريض ركابها للخطر، بغرض الضغط على الحكومات أو المحتلين. وقالت الجماعة في كتابها الجديد «الإسلام وتهذيب الحروب»، الذي تنفرد «الشرق الأوسط» بنشر حلقات منه، إن المتأمل في تجارب بعض المنظمات الفلسطينية، خاصة في القيام بخطف وتفجير الطائرات سينتهي إلى نفس النتيجة، التي انتهوا إليها، وهي عدم مناسبة هذا الأسلوب لأنه يؤدي إلى تحريض دول عديدة على المنظمات التي ينتمي إليها هؤلاء الخاطفون، مما قد يؤدي إلى ملاحقتها في إطار العولمة الأمنية في كل العالم، وتكوين رأي عام شعبي وحكومي في هذه البلدان ضد قضايا الخاطفين، فضلاً عن تنمية مشاعر العداء ضد الجاليات الإسلامية في هذه البلدان، كل ذلك في ظل اتفاق بين الدول عامة يتنامى يوما بعد يوم بعدم الاستجابة لمطالب الخاطفين، لذا فإن الناظر إلى الأوضاع السائدة والأحوال الجارية، سيجد أن المفاسد الناجمة عن مثل هذه العمليات تربو على أي مصالح مرجوة منها.

وأكدت الجماعة الإسلامية في كتابها، الذي يأتي في إطار سلسلة تصحيح المفاهيم والمراجعات الفكرية للجماعة، التي أطلقتها عقب مبادرتها بوقف العنف منذ عام 1997، فإن خطف الطائرة والمساومة بركابها لتحقيق بعض المطالب، وتعريضهم للترويع، وربما للقتل للضغط على حكومات بلدانهم أو المحتلين لها لا يجوز شرعا، لأنه بمثابة معاقبة البريء، وهم (الركاب)، من أجل إرغام المحتل أو الجاني على الاستجابة لمطالب الخاطف، ولأن هؤلاء الركاب في الغالب ليست لهم علاقة بقضية الخاطفين، وربما يكونون من المتعاطفين معهم، لكن لا يدرك الخاطفون ذلك، وكل هذا ينافي العدل، وهذا الصنيع منهي عنه.

قالت الجماعة الإسلامية المصرية: إنه إبان المواجهات التي تفجرت بالجزائر، بين بعض الحركات الإسلامية والجيش الجزائري، على خلفية قيام الجيش بإلغاء نتيجة الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية، التي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، بدأت الجماعة الإسلامية المسلحة بالجزائر في استهداف المؤسسات الحكومية المختلفة بالتدمير، وبدأت الأخبار تتوالى بقيامها بتفجير بعض المدارس والكباري (الجسور) ومحطات الكهرباء وغير ذلك، وكان لجوؤها لذلك يستهدف إرهاق الدولة الجزائرية وإظهارها بمظهر غير القادر على حماية تلك المؤسسات، وحرمان قوات الجيش من الخدمات التي تقدمها هذه المؤسسات، والتي يتم تسخيرها لخدمته في المواجهة مع الجماعة المسلحة، وطرح القضية المتعلقة بالصراع بينها وبين الجيش الجزائري بقوة على جموع المواطنين الجزائريين، كي يحددوا موقفهم منه، وتحقيق استمرارية العمليات في ظل مهاجمة أهداف يسهل الوصول إليها، وتشتيت قوات الجيش الجزائري إذا ما قام بحمايتها. واستمرت هذه العمليات المستهدفة لهذه المؤسسات والبنى التحتية للدولة فترة من الزمان، مخلفة وراءها الكثير من الدمار والضحايا، وتاركة تزايدا مطردا في النقمة الشعبية على الجماعة الإسلامية المسلحة الجزائرية.

وتعرف الجماعة الإسلامية في كتابها المؤسسات الحكومية: بأنها تلك الهيئات التي تقدم خدمات معينة لمجموع المواطنين، من خلال مجموع موظفين يعملون بها، وفقًا لأسس وقواعد مقررة سلفًا من قبل الدولة التابعة لها، تحدد اختصاصاتها وطريقة عملها. ومثل هذه المؤسسات لم تكن موجودة في عهد النبي، صلى الله عليه وسلم، لكن بدأ ظهورها في خلافة عمر رضي الله عنه، عندما أنشأ الدواوين، كديوان الجند، ثم توالى ظهورها بعد ذلك تباعا. وينفق على هذه المؤسسات من الموازنة العامة للدولة، سواء في تجهيزها بالمعدات أو المباني أو في صرف رواتب العاملين بها. وذلك لتمكنيها من إدارة شؤون الدولة، أما مصطلح البنى التحتية فهو يعد مصطلحا جديدا لم يكن معروفًا في العصور الماضية، ويقصد به مجموعة المشروعات والإنشاءات النوعية التي يتم تمويلها من ميزانية الدولة وتهدف إلى تيسير وصول الخدمات إلى المواطنين، نظير رسوم معينة يدفعونها في أغلب الأحيان، وتلك المشروعات تسهم في تفعيل أنشطتهم المختلفة الزراعية أو الصناعية أو التجارية، ومن أمثلتها: الترع والطرق والكباري ومحطات توزيع الكهرباء والمياه والصرف الصحي والاتصالات السلكية واللاسلكية والمؤسسات التعليمية، كالمدارس والجامعات، والمصانع الكبرى، كالحديد والصلب والألمونيوم والموانئ، وهو ما يعني ملكية هذه البنى للشعب بأسره، كما أن هذه المؤسسات والبُنى التحتية تقدم خدمات مباحة لمجموع المواطنين، بالإضافة إلى أن هناك موظفين يقومون عليها، أغلبهم من أهل البلاد نفسها.

وأكدت الجماعة الإسلامية المصرية حرمة تدمير البنى التحتية والمؤسسات الحكومية ببلاد المسلمين لأن هذا التدمير قد يؤدي إلى قتل بعض العاملين بها ممن لا يجوز قتلهم، كما أنه إتلاف لممتلكات لا يصح إتلافها، لأنها ملك الشعب بكل طوائفه، ولا خصومة أو حرب بين هذه الحركات وتلك الجموع الشعبية تبيح مثل هذا الإتلاف، كما أن هذا من الفساد المنهي عنه شرعا لقوله تعالى: «وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ»، كما أن تدمير هذه المؤسسات والبنى التحتية كمحطات المياه والكهرباء والمستشفيات والمدارس والطرق والكباري، تنتج عنه أضرار عديدة بالمسلمين وأبنائهم وغيرهم بدون جريمة ارتكبوها، وهذا مخالف لقول النبي صلى الله عليه وسلم «لا ضرر ولا ضرار».

وأضافت الجماعة الإسلامية: أن المصالح التي يسعى لتحقيقها من يقومون باستهداف هذه المؤسسات وتلك البنى التحتية، لا تعادل المفاسد المترتبة على تلك العمليات، خاصة ما يترتب من نقمة شعبية ضد كل ما هو إسلامي تحت ضغط تبرم الناس من تعطيل مصالحهم الصحية أو التجارية أو الزراعية أو نتيجة للمشقة التي تعتري حياتهم، لافتقادهم الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء والصرف الصحي.. إلخ، خاصة أنهم لا يرون أنهم قم أذنبوا ذنبا يستحقون بموجبه مثل هذه العقوبات، بل منهم من يكون محبا للدين وللعاملين له، ثم يتحول موقفه هذا إلى العداء كنتيجة لتلك العمليات، وأخيرا إذا كان الفقهاء لم يجيزوا عقر دواب المشركين أو تحريق نحلهم أو قطع شجرهم، ونخلهم في ديارهم أثناء الحرب معهم ما لم تدع حاجة لذلك، ولم يمكن الخلوص إليهم إلا بهذا، فهل يصح في ظل هذا أن يقال بجواز هدم وتدمير مثل هذه الأشياء في ديار الإسلام والمملوكة لجموع المسلمين وغيرهم، والذين لا حرب بينهم وبين من يقوم بهذه العمليات، ولا شك في أن استهداف مثل هذه المنشآت سيترتب عليه تعكير صفو العلاقة المفترض قيامها بين العاملين للإسلام وجموع الشعب، ويجعل الهوة سحيقة بينهم، وكل هذا يصب في اتجاه انفضاض الناس عن دعوتهم، وهذه نتيجة غير مرغوبة شرعا وعقلاً.

واعتبرت الجماعة الإسلامية المصرية أن خطف وتفجير الطائرات: ينطوي على ترويع وقتل من لا يجوز ترويعه أو قتله، وذلك لوجود ركاب من المسلمين بالطائرة أو وجود أطفال أو نساء أو شيوخ من غير المسلمين، لا يجوز قتلهم حتى في حالة الحرب، بالإضافة إلى احتمال قتل من لا يصح قتله إذا ما ارتطمت الطائرة بهدف مدني لا يعرف الخاطف من فيه، كما أن خطف وتفجير الطائرة ينطوي على غدر بالشركة المالكة للطائرة وبالركاب، فالشركة أعطت الخاطف تذكرة لاستخدام طائرتها، بشرط عدم تعريض سلامتها وسلامة ركابها للخطر، وعندما يقوم الخاطف بخطف وتفجير الطائرة يكون قد أخل بتعهده ذلك، كما أن الركاب يعتقد كل منهم أن الآخرين لا يريدون إصابته بسوء ولا يضمرون شرا له، وذلك جريا على العرف والعادة المستقرة بين المتعاملين مع شركات الطيران، وهو ما يمثل أمانا أو شبهة أمان تمنع من إلحاق الأذى.

وأشارت الجماعة الإسلامية إلى أن خطف الطائرة والمساومة بركابها لتحقيق بعض المطالب، وتعريضهم للترويع، وربما للقتل للضغط على حكومات بلدانهم أو المحتلين لها لا يجوز شرعا، لأنه بمثابة معاقبة البريء (وهم الركاب) من أجل إرغام المحتل أو الجاني على الاستجابة لمطالب الخاطف، ولأن هؤلاء الركاب في الغالب ليست لهم علاقة بقضية الخاطفين، وربما يكونون من المتعاطفين معهم، لكن لا يدرك الخاطفون ذلك، وكل هذا ينافي العدل، وهذا الصنيع منهي عنه لقوله تعالى: «...وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا...». فلا يصح الاعتداء على هؤلاء الأبرياء من أجل بغضنا للمستعمرين ورغبتنا في إجبارهم على الاستجابة لمطالبنا منهم، كما أن تفجير الطائرة بفعل الخاطفين يؤدي إلى تدمير ممتلكات لا يجوز إتلافها شرعا، فالطائرة وأمتعة الركاب والخسائر المادية التي تنجم عن ارتطام الطائرة بهدف أرضي كل هذه الأشياء لا يجوز إتلافها في الغالب، بالإضافة إلى أن قيام الخاطفين بتفجير الطائرة المدنية سيؤدي إلى قتلهم بفعلهم هذا، وهو ما قد يعده بعض العلماء المعاصرين من قبيل الانتحار المنهي عنه شرعا وفقا لما بيناه في المبحث الأول من هذا الفصل.

وقالت الجماعة الإسلامية: إن القول باختيار الخاطفين للطائرة بحيث يكون بها بعض من يجوز قتله قد يكون قائما، لكن ماذا عن بقية الركاب من النساء والأطفال وبعض المسلمين الذين يتواجدون غالبا بالطائرة، فبأي دليل شرعي يجوز قتل هؤلاء؟ كما أنه لا يصح نفي غدر الخاطفين بالشركة أو بالركاب بدعوى أنه لا يوجد أمان ممنوح منه لهم، وأن تذكرة الطائرة لا تعني هذا، وذلك لأنه لا يمكن تصور إعطاء شركة الطيران تذكرة لمن يريد تفجير طائرتها، وإن منح هذه التذكرة يعني اشتراط ذلك الأمان، سواء كان منصوصا عليه فيها أم لا، وهذه المسألة تشبه مسألة دخول المسلم لدار من ديار الحرب بأمان ممنوح له منهم من دون النص فيه على أن يكونوا في مأمن منه على أنفسهم وأموالهم. أما القول إن فعل الخاطف يندرج في قوله صلى الله عليه وسلم: «الحرب خدعة»، فتقول الجماعة الإسلامية إنه لا يصح لأنه ليس هناك حرب بين هؤلاء المسافرين والخاطفين، واستخدام الخدعة مع مسافرين على الأقل بعضهم أبرياء ولا جناية لهم ولا حرب بينهم وبين الخاطفين، لا وجه له، كما لا يوجد وجه شرعي معتبر لإباحة الغدر بالشركة، لأنها قد لا يكون لها أدنى علاقة بالخاطفين أو الدولة التي يعادونها، فكل هذا من باب الخدعة غير الجائزة ويندرج في الغدر المنهي عنه شرعا، لأن الخدعة الجائزة لا تكون مخلة بعهد أو ناقضة لأمان قائم، أما القول إن هذا التفجير لا يمثل انتحارا منهيًا عنه، فنحن لسنا بصدد صف مباح قتاله وقتله كي نقول بجواز هذا الانغماس، فركاب الطائرة من جنسيات وأديان وأعمار وأنواع مختلفة، وقد اختلط فيهم من يجوز قتاله بمن لا يجوز، وكثيرا ما لا يوجد بينهم أحد ممن يصح قتله، كما أن هذه الطائرة بمن فيها لا تمثل جيشا معاديا يقف في مواجهة جيش المسلمين، فهم غالبا من المدنيين، ولم يدر بخلدهم أنهم في حالة حرب أو مواجهة مع أحد، كما انه لا يجوز القيام بالتفجيرات العشوائية التي توقع ضحايا أبرياء، وتفجير الطائرة منه دون معرفة الخاطفين بمدى جواز قتل كل شخص من ركابها من جنس هذه التفجيرات العشوائية، التي لا يبيحها الاحتجاج بجواز الضرب بالمنجنيق أو الإغارة أو التبييت أو القول بجواز قتل الترس المسلم أو القول بجواز قتل المسلم على أساس بعثه يوم القيامة على نيته، لأننا هنا لسنا بصدد ضرب منجنيق ولا إغارة أو تبييت أو في حالة خروج مسلم مكرها في جيش الأعداء، كما لسنا بصدد مسلمين قد تترس بهم المحاربون واتخذوهم دروعا بشرية، فليس هناك ترس ولا متترس به، فلا يصح مثل هذا التفجير العشوائي وفقا لما أوضحنا في المبحث الثاني من هذا الفصل.

وترد الجماعة الإسلامية على سؤال: هب أن الطائرة المخطوفة ملك لدولة محاربة للإسلام، وركابها كلهم ممن يجوز قتلهم، فلن يكون التفجير هنا يمثل انتحارا ممنوعا فهل يجوز ذلك؟ بقولها: هب أن هذا صحيح ـ ونادرا ما يكون كذلك ـ فلا بد من النظر في جملة المفاسد التي يمكن أن تترتب على هذه العملية، كي تتم مقارنتها بالأهداف التي يريد الخاطفون تحقيقها، والمتأمل في تجارب بعض المنظمات الفلسطينية، خاصة في القيام بخطف وتفجير الطائرات، سينتهي لنفس النتيجة التي انتهوا إليها وهي عدم مناسبة هذا الأسلوب لأنه يؤدي إلى تحريض دول عديدة على المنظمات التي ينتمي إليها هؤلاء الخاطفون مما قد يؤدي إلى ملاحقتها في إطار العولمة الأمنية في كل العالم، وتكون رأي عام شعبي وحكومي بهذه البلدان ضد قضايا الخاطفين، فضلاً عن تنمية مشاعر العداء ضد الجاليات الإسلامية في هذه البلدان، كل ذلك في ظل اتفاق بين الدول عامة يتنامى يوما بعد يوم بعدم الاستجابة لمطالب الخاطفين، لذا فإن الناظر إلى الأوضاع السائدة والأحوال الجارية سيجد أن المفاسد الناجمة عن مثل هذه العمليات تربو على أي مصالح مرجوة منها.

 

المصــدر : جريدة الشرق الاوسط
 
 
 
 
 
    جميع حقوق النشر محفوظة لـ موقع مراجعات فكرية