( 8 ) الحـلقـــــة
 

الجماعة الإسلامية المصرية: حكم الجماعات
الجهادية على السعودية جائر وغير مطابق للواقع

قالت إن النظام السعودي لا يوجد له نظير في
تطبيق أحكام الشريعة في العالم

 

القاهرة : الشرق الأوسط

 

انتقدت الجماعة الإسلامية المصرية الحكم الذي وصفته بالجائر الذي تصدره بعض الجماعات الجهادية على السعودية، قائلة في كتابها «الإسلام وتهذيب الحروب»، الذي تنفرد «الشرق الأوسط» بنشر حلقات منه، «إن النظام السعودي لا يوجد له نظير في تطبيق أحكام الشريعة في عالمنا اليوم». وانتقدت نظرة الجماعات الجهادية للأمور قائلة «إن هؤلاء لا يميزون بين الممكن والمستطاع تنفيذه والمحال المتعذر تحصيله ويعتبرون أنه يمكن تنفيذ شتى الأمور والأحكام الشرعية والقيام بكل الأعمال. فالواجب عندهم أن تقوم السعودية بإعلان الجهاد على اليهود وأمريكا وكل الدول العربية المحيطة بالسعودية التي ارتد حكامها، كي يحكموا للنظام السعودي بالإسلام. والواقع يقول إن فعل هذه الأمور ـ على فرض صحتها ـ لن ينجم عنها سوى إسقاط النظام السعودي وإنهاء العمل بالأحكام الشرعية القائمة بالمملكة، وكأني بهم يريدون بالسعودية ما فعلوه بنظام طالبان الذي أرادوا من خلاله محاربة العالم بأسره فكانت النتيجة غياب دولة طالبان الإسلامية من على الخريطة، وما كان هذا ليحدث لو أن هؤلاء المعترضين أحسنوا التقدير وميزوا بين الممكن والمحال، والمقدور والمتعذر، وما كان لهذه الاعتراضات أن تطرح لو أنهم فعلوا ذلك بشأن استعانة السعودية بغير المسلمين في أزمة احتلال الكويت».

وانتقدت الجماعة الإسلامية المصرية في كتابها الذي يجيء في إطار سلسلة تصحيح المفاهيم والمراجعات الفكرية التي أطلقتها الجماعة الإسلامية عقب مبادرتها لوقف العنف عام 1997، ما أسمته بالتناقض الذي يقع فيه بعض قادة تنظيم القاعدة، حيث أصدر أحدهم كتابا يقول فيه: «والأمر ليس أمر استعانة بقوات الكفار ضد قوات صدام البعثية، بل الأمر أمر احتلال لمنابع النفط في جزيرة العرب، فلم يكن هناك ضرورة لإحضار الأمريكان فإن جيوش الدول العربية والإسلامية كان فيها الكفاية والغني لحماية الكويت أو تحريرها». ووجه التناقض في هذا القول، كما تقول الجماعة، «أن صاحبه يحكم في نفس الكتاب بالكفر على حكام الدول العربية والإسلامية، وعلى العلماء الرسميين والصحافيين والإعلاميين والكتاب والمفكرين وغيرهم من الموظفين الرسميين الذين يقول إنهم يتلقون رواتبهم في مقابل نصرة الباطل وتزيينه ومعاداة أهل الجهاد، ومعنى هذا أن الاستعانة بجيوش هؤلاء الحكام استعانة بجيوش كافرة. فكيف يرفض الاستعانة بأمريكا الكافرة ويسمح بالاستعانة بهؤلاء الذين جعلهم في عداد المرتدين؟. تناقض يعكس الاضطراب في معرفة الأحكام وعدم رؤية الواقع بشكل صحيح».
وقالت الجماعة الإسلامية «إن الحقيقة التي يجب إدراكها هي أنه لم يكن في هذه الأزمة سوى خيارات ثلاثة أساسية كان على المملكة العربية السعودية اختيار أحدها وهي: القول بعدم جواز الاستعانة بأي أحد ضد جيش صدام حسين بالكويت، وهذا معناه إمكانية اجتياح السعودية وتوسيع رقعة البلاد التي يسيطر عليها نظام البعث العراقي وما يعنيه ذلك من تغييب للشريعة الإسلامية عن السعودية، وأن تتم الاستعانة بقوات إسلامية وعربية لا قدرة لها على مواجهة جيش صدام، ولن تمنع التدخل الأميركي العسكري، وأن تتم الاستعانة بأمريكا في إطار دولي يحجم من مخاطر تلك الاستعانة ويحسم شر جيش صدام حسين، ولا شك عندنا في أن الخيار الثالث كان الأكبر واقعية ولا يتصادم مع أحكام الشريعة».

وأضافت الجماعة الإسلامية «يرفض البعض الموقف السعودي الخاص بالاستعانة بأمريكا في حرب تحرير الكويت سنة 1990م لأنه سمح بتواجد المشركين والنصارى بجزيرة العرب بل إن هذا الأمر مازال تنظيم القاعدة يستخدمه إلى اليوم في القيام بعمليات ضد الأجانب بالسعودية تحت شعار «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب»، وذلك إشارة إلى عدة أحاديث هي: وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أوصى بها في نهاية حياته كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنه «وأوصى عند موته بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب...» فهذه الأدلة عندهم تدل على إخراج كل مشرك من جزيرة العرب سواء كان ذمياً أو غير ذمي».

وفي حين توضح الجماعة الإسلامية صحة الحديث لكنها تقول «إن الخلاف في أمرين هما :

الأول: المقصود بجزيرة العرب، فقد اختلف العلماء في تحديدها اختلافاً كبيراً بين من يذهب إلى أنها تشمل المنطقة الممتدة من اليمن إلى ريف العراق شمالاً ومن جدة على البحر الأحمر إلى الخليج العربي شرقًا، ومن يرى إنها تعني الحجاز وهي مكة والمدينة وما والاهما إلى غير ذلك.

الثاني: نختلف معهم على تحديد ما هو ممنوع بالنسبة لجزيرة العرب فهم يرونه أي وجود، بينما العلماء أجازوا لهم الوجود والمرور دون السكنى بها وبناء على ذلك يمكن القول بأن الممنوع منه أهل الشرك والنصارى واليهود هو سكنى الحجاز فقط، والحجاز هو المنطقة الممتدة بين مكة والمدينة وما والاهما وهو رأي جمهور العلماء ودليل صحة ذلك الآتي: إنه قد روي عن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال: إن آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أخرجوا اليهود من الحجاز» فأما إخراج أهل نجران فلأن النبي صلى الله عليه وسلم صالحهم على ترك الربا فنقضوا عهده، فكأن جزيرة العرب في تلك الأحاديث أريد بها الحجاز وإنما سمى حجازاً لأنه حجز بين تهامة ونجد ولا يمنعون أيضاً من أطراف الحجاز كتيماء وفيد ونحوهما لأن عمر لم يمنعهم من ذلك، وأن هذا القول هو قول جمهور العلماء وفي ذلك يقول الإمام ابن حجر: «لكن الذي يمنع المشركون من سكناه منها الحجاز خاصة وهو مكة والمدينة واليمامة وما والاها، لا فيما سوى ذلك مما يطلق عليه اسم جزيرة العرب، لاتفاق الجميع على أن اليمن لا يمنعون منها مع أنها من جملة جزيرة العرب، هذا مذهب الجمهور وعن الحنفية يجوز مطلقاً إلا المسجد، وعن مالك يجوز دخولهم الحرم للتجارة، وقال الشافعي لا يدخلون الحرم أصلاً إلا بإذن الإمام لمصلحة المسلمين خاصة، كما أن النهي الوارد بالأحاديث ينصب على وجود المشركين بالحجاز على صورة الكيان المستقل المستقر أما الوجود العابر أو لمصلحة المسلمين وبإذن إمامهم فهذا لا حرج فيه بدليل عدم قيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه بإجلاء يهود خيبر من الحجاز رغم ورود النهي».

وأضافت الجماعة الإسلامية «إنه إذا ما انتهينا إلى أن الممنوع هو السكنى على وجه الإقامة الدائمة بالحجاز ـ وهو مكة والمدينة وما والاهما ـ علمنا أن الاعتراض على موقف السعودية أو استهدافها بدعوى وجود المشركين بجزيرة العرب اعتراض لا يصمد أمام ما ذكرناه من أدلة وأقوال لعلماء الأمة، لأننا نعلم أن القوات الأمريكية عندما أتت في سنة 1990م لم تسكن أو تقم بالحجاز إنما كانت بعيدة عن ذلك وبالقرب من الكويت حيث تركزت بالخبر وحفر الباطن وبجوار الحدود المشتركة مع الأردن، وأن أغلب هذه القوات انسحب بعد تحرير الكويت ومن ثم فهو اعتراض في غير محله».

وقالت الجماعة الإسلامية «إن الاستعانة بغير أبناء الدين الواحد أمر يكتنفه أمران متعارضان أحدهما يمثل مزايا مثل هذه الاستعانة والثاني يمثل مثالبها. أما المزايا فيمكن تلخيصها في الآتي:

  • الاستفادة بالنوعيات ذات الخبرة والكفاءة من غير المسلمين في تحسين ودعم أداء الجيش المسلم سواء في مجالات التخطيط العسكري أو التدريب أو الأداء القتالي أو التصنيع أو غير ذلك.
  • الاستفادة بإنتاجات غير المسلمين في مجالات التسليح والتعليم.
  • زيادة القدرات القتالية من خلال زيادة أعداد المقاتلين أو من خلال التحالف مع غير المسلمين لمقاتلة عدو مشترك لنا ولهم.

أما مثالب الاستعانة بغير المسلمين في القتال فتتمثل في الآتي :

  • احتمال غدرهم بالمسلمين بإفشاء أسرارهم أو عدم النصح لهم، أو بالتخذيل والتثبيط لهممهم انطلاقًا من ولائهم لدين آخر ولوطن آخر.
  • في حالة الاستعانة بهم كحلفاء للدفاع عن ديار الإسلام يمكن أن يطمعوا فيها إذا رأوا من أهل الإسلام ضعفاً».

وأضافت الجماعة الإسلامية «إنه لما كانت هذه الاستعانة يكتنفها هذان الأمران انقسم الناس حول الموقف منها بين مؤيد ومعارض، وكان للشريعة الإسلامية رأي آخر ترجحه، وهو يجمع بين هذين الأمرين بما يحقق هذه المزايا ويقلل هذه المثالب، وذلك انطلاقاً من حرصها على توفير ما يزيد في فاعلية الجيوش الإسلامية في أدائها القتالي، لكن دون غفلة عن هذه المثالب والمخاطر. فجواز الاستعانة بأسلحة غير المسلمين في القتال وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم للآتي: فقد استعار النبي صلى الله عليه وسلم من صفوان بن أمية دروعاً وأشياء أخرى في غزوة حنين، وكان صفوان حينئذ مشركاً. وجاء عن النبي ( أنه قال: «يا معشر يهود قاتلوا معنا أو أعيرونا سلاحكم». أما الاستعانة بأفراد من غير المسلمين في الجهاد فقد اتفق العلماء على عدم جواز الاستعانة بهم إذا لم يأمنوا جانبهم وخافوا غدرهم سواء كانت تلك الاستعانة في القتال أو في الأعمال الأخرى كحفر الخنادق أو بناء الحصون أو إصلاح الأسلحة، لأن الاستعانة بهم تؤدي إلى نقيض المقصود منها من نصرة الدين وتقوية الجيش المسلم. أما إذا أمن المسلمون جانبهم فقد اختلف العلماء في جواز الاستعانة بهم على رأيين كالآتي: المانعون من الاستعانة بأفراد من غير المسلمين في الجهاد إذ ذهب بعض أهل العلم إلى عدم جواز الاستعانة بأفراد من غير المسلمين في الجهاد، ومن هؤلاء الإمام مالك والإمام أحمد في رواية عنه وابن المنذر والجوزجاني، والمجيزون للاستعانة بأفراد من غير المسلمين في الجهاد للحاجة إذ ذهب العديد من أهل العلم إلى جواز الاستعانة بأفراد من غير المسلمين في القتال متى كانت هناك حاجة داعية لذلك وأمن جانبهم ولم يخش غدرهم، وممن قال بهذا الإمام أبو حنيفة والشافعي وأحمد في رواية أخرى عنه، وبعض علماء المالكية».
وقالت الجماعة الإسلامية المصرية «إنه بالنظر إلى أدلة الفريقين نرى أنه يمكن الجمع بينها وهذا أولى من طرح بعضها، وسبيل الجمع القول بجواز الاستعانة بغير المسلمين في القتال، إذا ما توفرت الشروط الآتية:

  • الأمن من غدرهم والتأكد من نصحهم وحرصهم على أهل الإسلام.
  • وجود الحاجة الداعية للاستعانة بهم.
  • أن يستقل الإمام المسلم بتقدير مدى الحاجة لتلك الاستعانة.
 
المصــدر : جريدة الشرق الاوسط
 
 
 
 
 
    جميع حقوق النشر محفوظة لـ موقع مراجعات فكرية