من داخل الخلية
حقائق من داخل الخلية
لقاء الشيخ علي الخضير
شاهد
أستمع
أقراْ
لقاء الشيخ ناصر الفهد
شاهد
أستمع
أقراْ
لقاء الشيخ أحمد الخالدي
شاهد
أستمع
أقراْ
 
 
اعترافات المجموعةالأردنية
شاهد
أستمع
أقراْ
 
 
 
 

وموقف الإسلام من العمليات الإرهابية

في محاضرة ألقاها الشيخ الدكتور سعد البريك في نادي اليرموك في أبو عريش في منطقة جازان تناول فيها دعوة الإسلام إلى حفظ النفس وعصمة الدماء والأموال وعن تداعيات الأعمال الإرهابية التي حدثت في بعض مناطق المملكة العربية السعودية، كما أبان فيها حقيقة ظاهرة التطرف والغلو وآثارهما المدمرة للمجتمعات المسلمة.

وسنعرض بعض مقتطفات من محاضرة فضيلته:

  أحبتي في الله: حديثنا اليوم عن ما نحن بصدده من هذه الأحداث الجسام، النذر التي دقت ونواقيس الخطر التي نطقت وتقول لنا إننا بأمس الحاجة أن نراجع صفوفنا، وأن نتفقد خطابنا، وأن نجمع شملنا، وأن نستعين بالله عزّ وجلّ فيما يقربنا إلى مرضاة ربنا.وتكلَّم المتكلِّمون المخلصون عبر كل منبر ووسيلة إعلامية وخطبة جمعة وقلم صادق وخطاب ناصع، يقولون النجاة·· النجاة، التفتوا وانتبهوا وانظروا من الذين يندسون في صفوفكم، بأي شعار وتحت أي راية، لتعرفوا من الذي يركب الإسلام مطية لتحقيق مآرب أو يركب الحرية مطية لتحقيق الفوضى، أو يركب الأمانة مطية من أجل مزيد من الخيانة.

أيها الأحبة وما أمر البارحة أو "ما يوم حليمة بسر" حوادث التفجيرات التي أزهقت فيها أرواح أبرياء، وسفكت فيها دماء معصومة من مسلمين مصلين عابدين، كانوا يطلبون لقمة العيش، ويطلبون الرزق الحلال، فإذا بسهام الغدر الطائشة تصوب رصاصها ونيرانها إلى جماجمهم ورؤوسهم وأفئدتهم وصدورهم لترديهم قتلى، ثم تتوجه لقتل أناس غير مسلمين، ولكنهم في ملتنا وشريعتنا ممن عصمت دماؤهم بعقد الأمان الذي دخلوا به في بلادنا·

أمر الدماء خطي

أحبتي في الله أمر الدماء خطير ولا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً، وأول ما يقضى فيه يوم القيامة بين الناس الدماء، ولقد نظر النبي صلىالله عليه وسلم الكعبة فقال ما أعظمك وأعظم حرمتك عند الله، وإن دم المسلم أعظم حرمة عند الله منك·

وقال تعالى: {وّمّن يّقًتٍلً مٍؤًمٌنْا مٍَتّعّمٌَدْا فّجّزّاؤٍهٍ جّهّنَّمٍ خّالٌدْا فٌيهّا..[النساء: 93]..

من هو الذي يدعي الإسلام، وهو يقدم على سفك دم مسلم وإزهاق روحه وإتلاف بدنه، من هو الذي يدعي الإسلام، وهو يتوجه باسم الإسلام لينقض مبادئه وأركانه وشرائعه؟ أليس المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، أليس المؤمن ذلك الذي يأمن جاره بوائقه، أليس المسلم بأخ لأخيه المسلم لا يسلمه ولا يقتله ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم.

إذا كانت هذه صفات المسلمين في الإسلام فانظروا  إلى أي مدى بعدت هذه الأيدي الآثمة والتصرفات الخاطئة، النواصي الكاذبة عن الإسلام بمثل هذه التصرفات· ولقد عجبنا أكثر وأكثر يوم أعلنت وسائل الإعلام عن ضبط تلك الكميات الكبيرة من المتفجرات والقنابل والمواد شديدة الانفجار· فقال قائل: وإن واجه جهلة وغوغاء وبسطاء ومخدعون، قائل قائل منهم إنها تمثيلية قصد بها أمر سياسي·

وقال آخرون شباب يتجارون في بيع السلاح، وقلت سبحان الله هل بلغ الأمر بعقول بعض السذج والبسطاء والغوغاء والمساكين أن يصدقوا مثل هذه المقالات، لو سلمنا قطعاً قليلة من السلاح كان الهدف وراءها تجارة في بيعه، فهل سمعتم تجارة في بيع مواد شديدة الانفجار، هل سمعتم أحداً يتاجر في مادة السي فور والتي آي تي، هل سمعتم أحداً يطلب الرزق الحلال في بيع القنابل اليدوية، هل سمعنا أو خطر بعقل عاقل أن مثل هذه الأعمال تدل على شيء إلا التدمير والتخريب والفساد؟، وما زال الناس يتعددون بين مكذِّب ومصدِّق وتلك مصيبة· خلل عظيم في مجتمعنا، أن نكذب من يصرح باسمه وموقعه ومسؤوليته، ثم نصدِّق مقولة كتبت في مزبلة إلكترونية في ساحة من ساحات المواقع التي أخذت على عاتقها عهداً وثيقاً مع الشيطان ألا تدع لهذا المجتمع أمناً يستفيد من خلاله في الدعوة إلى الله وإصلاح العباد والبلاد ومناصحة المسلمين وتدفق الخيرات وتتابع الأعمال الصالحات التي هي من أعظم أسباب النجاة من  الهلاك· {ومّا كّانّ رّبٍَكّ لٌيٍهًلٌك ّالقٍرّى بٌظٍلًمُ وأّهًلٍهّا مٍصًلٌحٍونّ} [هود: 117]·

تاريخ الإرهاب

أيها الأحبة: تاريخ الإرهاب والعنف قديم جداً لكنه كان على أيد آثمة تعرف وتكشف من بدايتها ويعرفها المسلمون بأماراتها وعلاماتها·

أليس أمير المؤمنين عثمان بن عفان قد تسور عليه الدار وأحيط بداره باسم الإسلام وهم يريدون الفتنة وباسم العدل وهم يريدون الخيانة، وباسم الثأر وهو يريدون الجريمة؟ تسوروا وتواطأوا وتمالؤوا وحبس أمير المؤمنين عن الماء وعن المسجد وقطع عليه الزاد، ثم اقتحمت عليه الدار وجثم الجاثمون على صدره وطعنوه وقطعوا أصابع زوجته وسال دمه·

ليس الإرهاب جديداً في تاريخنا لكن الجديد أن يكون الإرهاب والإفساد والتخريب والقتل والتدمير يجد مساغاً أو نوع قبول أو خجلاً في النقد أو توجساً في المواجهة والاستنكار، أو استحياء بالتصريح بالإرهاب وقادته ومن يقف وراءه ودوافعه وأسبابه·

الموقف من الفتن

أحبتي في الله: الفتن لا شك أنها متتالية، لكن الفتن أن يقف الناس مكتوفي الأيدي في مواجهتها، ودفعها وردها عن مجتمعاتهم وأنفسهم·

نعم، تلك فتن استدرجت بعض الأغرار وبعض الصغار، وبعض المتحمسين، وقادها مجرمون، يعملون لصالح كتل باطلة ضالة مدمرة لن يقر لها قرار إلا أن ترى هذه البلاد كالصومال مجاعة وكأفغانستان تشرداً، وكالعراق فوضى، لن يقر لهؤلاء الأعداء قرار إلا أن يجعلوا الناس في هذه البلاد الآمنة المطمئنة وأهلها كذلك إلا أن يجعلوهم يتفرقون أيدي سبأ وتشعل الحرب نار الطائفية والفتن، ويقتل الناس بعضهم بعضاً بشرارة كانت بدايتها مطية أو شعاراً اسمه بغض الكفار والولاء للمسلمين والبراءة من الكافرين.

والمصيبة أن الأمة إذا تساهلت بالأمن الفكري فإن الخلل يتبعه أمنٌ مخرب، أمنٌ مخترق، أمنٌ ضعيف، أمنٌ مختل، بسبب ما سبقه من التهاون في مسائل الأمن الفكري.

مسؤولية الجميع

نحن جميعاً مسؤولون مسؤولية شاملة كاملة تامة عامة صغيرنا وكبيرنا خطيبنا وأستاذنا وإمامنا وقاضينا ورجل الأمن فينا، والرجل والمرأة والفتى والفتاة أن نقف جميعاً لصد هذا الفكر الوافد الغريب العجيب الذي نعترف أننا ظللنا زمناً وكثير منا ربما تردد في نقده أو استحى في كشف زيفه، أو خاف من نقد جماهير معينة في أن يقدم بقوة في كشف أستاره وهدم أغواره وفضح أسراره.

أحبتي في الله: ما لم نكن على غاية من الجرأة والشجاعة في نقد هذه المسالك الفكرية المنحرفة فإننا ندفع الثمن غالياً، ولن ننعم بالعبادة، لن ننعم بالدعوة، لن ننعم بالاستقامة، لن ننعم بالصلاة، لن ننعم بالصحة، لن ننعم بالعافية، لن ننعم بالخيرات والبركات المتدفقات: {فّلًيّعًبٍدٍوا رّبَّ هّذّاالبّيًتٌ (3)الذٌي أّطًعّمّهٍم مٌَن جٍوعُ وآمّنّهٍم مٌَنً خّوًفُ (4)} [قريش]، إذاً العبادة بكل أنواعها ظاهرة وباطنة نفسيه ومعنوية، بشعائرها التعبدية، وغاياتها ومسائلها المشروعة، العبادة باسمها الجامع لكل ما يحبه الله، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة تحتاج إلى أمرين: تحتاج إلى السلامة من المجاعة وتحتاج إلى أجواء آمنة مطمئنة إلى مناخ هادئ وادع، وبدون كفاية الناس في طعامهم وشرابهم، وبدون كفاية الناس في أمنهم، فإن أول بلوى تحيق بهم وتحل بهم، أنهم يحرمون لذة العبادة، وطعم العبادة بكل أنواعها وما يصدق عليها.

نعمة الأمن

أحبتي في الله: عندما يختل الأمن، لا قيمة للمدارس ولا للجامعات، وحينما يختل الأمن، الزراعة هامدة، والتجارة كاسدة، والمصانع مغلقة، وحينما يختل الأمن لا حاجة للناس أن يبنوا مستقبلاً واعداً، ويكشفوا طاقات أبنائهم ليوظفوها، في ما ينفعهم، حينما يختل الأمن، لن يكون هم الناس إلا بحثاً عن سلاح، وهرباً إلى ملجأ، وبحثاً عن طعام، ولهثاً وراء أشربة ولو مكدرة، وبحثاً حثيثاً عن دواء، حينما يختل الأمن لن تجد اجتماعاً كهذا، ولا محاضرة ولا خطب، ولا اجتماعاً ولا دعوة، ولا حلقات قرآن، ولا مدارس تعليم ولا صناعة ولا مهن ولا حرف ولا ما ينفع الناس في قليل أو كثير·

إذا اختل الأمن أصبحت مطالب الناس السلاح والغذاء والدواء، والبحث، بل والهرب بعيداً عن مواقع الفتن لجوءاً إلى ملاذ آمن، ولو كان قبراً في أرض أو كهفاً في جبل·

الدم والتغيير

أحبتي في الله: إن من المصائب والبلايا التي حلت بأمتنا، أن هؤلاء الذين أخذوا على عاتقهم، ترويع الآمنين وتخريب المجتمع الآمن بما ينزعون من القرآن دليلاً، ويؤولونه بما يوافق أهواءهم تأويلاً، وينزعون من سنَّة رسول الله " نصوصاً وأحاديث، ثم يستدلون بهذا الفهم المكدر المؤول السقيم الذي لا يسنده علم ولا مسوغ في الشريعة ولا تسليم بالعقل، ولا تجربة ولا حكمة، إن كثيراً من الذين ما قرأوا وما كتبوا ربما ما شدت الرحال ليؤخذ من تجاربهم في ما عرفوه بين الخوف والأمن وبين الجوع والري، وبين الأحوال المتناقضة، أما هؤلاء فلا يعرفون، إلا أن الدم وسيلة إلى التغيير، وأخبث من ذلك حينما يقال: إن الدم أمر يتقرب به إلى الله عزّ وجلّ، هل نتقرَّب إلى الله بالجنائز التي صلي عليها يوم "الأربعاء"  في مدينة الرياض، ودماء الآباء والأمهات والإخوان والأخوات تترى على الخدود هتانة لم يتوقف دمعها بسبب الفجيعة، هذا حارس عند مبنى مجمع قتل في اللحظات التي فيها زوجته تطلق فيها في مستشفى الولادة فولد له وليد ساعة خروجه إلى الدنيا رافقت استقرار الرصاص في رأس وجمجمة أبيه، وآخر خرج مطمئناً وجيء بنبأه إلى أهله قد احترقت أشلاؤه وتمزعت بسبب هذا الانفجار، جنائز لشباب صلي عليهم في مدينة الرياض، هل قتلوا في سبيل الله جهاداً؟ هل قتلوا في مرضاة الله عزّ وجلّ؟ قتلتهم أيدٍ آثمة تتقرب بدمائهم إلى الشيطان وليست إلى الرحمن، {وإذّا قٌيلّ لّهٍمً لا تٍفًسٌدٍوا فٌي الأّّرًضٌ قّالٍوا إنَّمّا نّحًنٍ مٍصًلٌحٍونّ (11)أّّلا إنَّهٍمً هٍمٍالمٍفًسٌدٍونّ ولّكٌن لاَّ يّشًعٍرٍونّ (12)} [البقرة]، هل هذا من الدين أن يردى الناس قتلى وأن يقتحم على المستأمنين الذين دخلوا البلاد بعهد وإذن من ولي الأمر؟ ثم في لحظة يجدون أنفسهم ما بين من ترملت زوجته وتيتم طفله، وفجع أهله وحلت المصيبة في داره بعد أن كان مسافراً أو مغادراً يريد أن يعود إلى أهله برزق ولقمة، ما ذنب هؤلاء الذين قتلوا بلا سبب وما هو تأويل أو تفسير إزهاق أرواحهم وسفك دمائهم في دين الله عزّ وجلّ، هل في القرآن دليل يبيح أن تقتل 7 أنفس من المسلمين المصلين الصائمين الحاجين المعتمرين الراكعين العابدين؟ هل في القرآن دليل أو في السنَّة ما يجيز لك أن تقتل أقواماً دخلوا مستأمنين غير حربيين: {لا يّنًهّاكٍمٍاللَّهٍ عّنٌالذٌينّ لّمً يٍقّاتٌلٍوكٍمً فٌيالدٌٌَينٌ ولّمً يٍخًرٌجٍوكٍم مٌَن دٌيّارٌكٍمً أّن تّبّرٍَوهٍمً وتٍقًسٌطٍوا إلّيًهٌمً إنَّاللَّهّ يٍحٌبٍَالمٍقًسٌطٌينّ ال8) إنَّمّا يّنًهّاكٍمٍاللَّهٍ عّنٌالذٌينّ قّاتّلٍوكٍمً فٌيالدٌَينٌ وأّخًرّجٍوكٍم مٌَن دٌيّارٌكٍمً ..(9)} [الممتحنة].

فهم سقيم

هؤلاء الذين دخلوا بإذننا وأماننا وأمان ولي أمر المسلمين من الذي يجيز أن تستباح دماؤهم وأن تزهق أرواحهم؟ وإذا أجزنا إباحة دمائهم إذاً فلا بأس أن تغتصب نساؤهم وأعراضهم، وإذا أبحنا سفك دمائهم فلا بأس أن تسرق وتنهب أموالهم، وإذا أبحنا سفك دمائهم فما الفرق بين هؤلاء في  هذا المجمع وبين غيرهم في أنحاء البلاد، لو أن هذا الفقه المطلوب والفهم السقيم والانحراف، لو أن هذا سائغاً لكان أقل ما ينبني عليه أن كل من تراه إذا كان غير مسلم فإن عرضه لك، وماله لك، ودمه مهدر بين يديك، هل يقول بذلك أحد؟ هل يرضى بهذا أحد؟ في أيّ ملة وأي شريعة تسفك الدماء باسم القرآن والسنَّة؟ في أي فهم تزهق الأرواح باسم الكتاب والسنَّة·

هذا جزء من تقصيرنا في كشف زيف الأفكار الوافدة المستوردة، هذا جزء من نتائج عدم اهتمامنا غاية الاهتمام بالمبادرة للقضاء على هذه الأفكار الوافدة ووأدها وإجهاضها في مهدها قبل أن تكبر وأن تطول وتعرض·

في الجزائر عبرة

أحبتي في الله: نحن لا نريد أن ندفع الثمن في مجتمعنا غالياً كما دفع في الجزائر، ظلوا زمناً طويلاً في كل يوم يصبحون على مجزرة، طفل يقتل لم يفطم بعد، وحامل تبقر بطنها، وشيخ كبير يجدونه رأسه بين رجليه عند بابه، وأسرة بأكملها تتشحط في دمائها، حمامات من الدم سالت في الجزائر في مرحلة من المراحل وفي فترة من الفترات، وكان مما خففها ودفع كثيراً من ضلالها رسالتان بعث بهما كل من سماحة العلاَّمة الراحل الشيخ عبدالعزيز بن باز، وسماحة الإمام العلاَّمة الراحل الشيخ محمد بن صالح العثيمين يخاطبون فيها أهل الجبال أن اتقوا الله في الدماء والأعراض وألقوا السلاح، وعودوا إلى مجتمعكم، وتعايشوا مع المجتمع المدني بحياته، فكانت تلك الرسائل من أولئك العلماء سبباً دفع قدراً كبيراً من الفتنة وكشف قدراً كبيراً من المحنة·

عصمة الأموال والدماء

من قواعد هذه الشريعة أن الدماء معصومة والأموال معصومة والحقوق والأعراض معصومة معظمة محرمة لا تستباح باجتهاد قاصد، ولا  تسفك برأي متحمس، ولا تهدر بحماس مقتدر أيّا كان، والولاء للمسلم لا يمنع من إقامة الحد عليه والبراء من الكافر لا يجيز أن نظلمه: {ولا يّجًرٌمّنَّكٍمً شّنّآنٍ قّوًمُ عّلّى أّلاَّ تّعًدٌلٍوا اعًدٌلٍوا هٍوّ أّقًرّبٍ لٌلتَّقًوّى} [المائدة: 8]، الولاء للمسلم أن مسلماً قتل مسلماً هل ينتهي الولاء؟ يظل الولاء للمسلم القاتل مع تنفيذ حكم القصاص فيه· ليس التدين وليس الولاء للمسلم بعذر في تقديم أفضال الأحكام وتعطيل الأحكام وعدم القيام بالأحكام الشرعية الواجبة·

مسلم قتل أو اعتدى يظل مسلماً، ولكنه يقتل به قصاصاً، مسلم سرق مالاً يظل مسلماً وتقطع يده حداً، مسلم شرب خمراً يظل مسلماً ويجلد حداً، مسلم زنى محصنة يموت مسلماً على كبيرة من الكبائر ويرجم حداً من الله عزّ وجلّ·

نحن عرفنا الملتزمين بشرع الله المستقيمين على طاعة الله أين رأيناهم في مثل هذا المكان المبارك في المحاضرات بالمساجد، في مصانعهم ومساجدهم وفي أسواقهم، في حلقات تحفيظ القرآن، في إغاثة المنكوبين، في كفالة الأيتام، في مساعدة المحتاجين، في قضاء حوائج المسلمين، في كل عمل مشروع ظاهر وباطن أيّاً كان في المساجد قريباً أو بعيداً منها ما دام في غايته ينصب في مرضاة الله عزّ وجلّ، هذه هي الاستقامة ليست الاستقامة أمراً ظاهراً ويستغل الأمر الظاهر أو الصمت الظاهر في أن تبلى الأمة بألوان من المصائب التي لا تنتهي وصور من الفجائع التي يظل العاقل والحليم بها حيران·

ليس للإرهاب تبرير أبداً

أحبتي في الله: إن من الواجب أن نعلم غاية العلم ألا مبرر لهذا العمل بأي حال من الأحوال وكل ما رأيتموه أو قرأتم له أو سمعتم منه يبرر مثل هذا، فتبريره مردود عليه ولا مزايدة· إن كان يبرره في الجهاد في سبيل الله فما أكثر الشباب الذين جاهدوا في أفغانستان وفي الشيشان وفي البوسنة، لكنهم لا ولم ولن يعتقدوا يوماً من الأيام أن الجهاد يعني تصويب المسدسات إلى رؤوس الأبرياء من المسلمين المصلين، ولا يعرفون أو يفقهون أن الجهاد يعني أن تقتحم مجمعاً فيه أناس من المستأمنين الذين دخلوا بعقد الأمان، ثم تجعل عاليها سافلها بعمليات انتحارية، ثم هؤلاء الذين انتحروا إلى أين ولوا هل هي شهادة في سبيل الله؟ لا والله ما لشهادة في سبيل الله من فعل هؤلاء براءة· ما الذي يجعل العقل مغسولاً غسيلاً والدماء مغسلة تغسيلاً، والفكر معطلاً تعطيلاً إلى درجة أن الواحد يعمل بنفسه إلى أسباب النار:{ومّن يّقًتٍلً مٍؤًمٌنْا مٍَتّعّمٌَدْا فّجّزّاؤٍهٍ جّهّنَّمٍ خّالٌدْا فٌيهّا··} [النساء: 93]··

فكر دخيل

أحبتي في الله: يوم كان الجهاد في أفغانستان جلياً واضحاً، مسلمون أفغان يقاتلون شيوعيين من الروس الملاحدة، الكل وقف وتبرع ونادى والمنابر بحت من فوقها الحناجر كلها تدعو إلى الجهاد في سبيل الله، وما ترددت في يوم من الأيام أن جهاد المسلمين في فلسطين موجه للصهيونية التي تتعمد تدمير الدور، وقتل الأبرياء ومواجهة العزل بطائرات أباتشي والقناصة وغير ذلك، الكل حيا ذلك الصمود وذلك الجهاد ودعمه بنفسه وقنوته ودعائه وماله، وكم عرفنا كم من إخواننا مات في الشيشان وفي البوسنة وفي كوسوفا وغير ذلك· لكن هل هذا جهاد؟ إذاً لا مبرر ولا مزايدة ولا حجة يوم أن يقول أحدهم: إن هذا الفعل باب أو ضرب من ضروب الجهاد، لا والله ما عرفنا الصادقين في الجهاد الذين نحبهم في الله عزّ وجلّ ممن يحمل هذا الفكر، هذا فكر دخيل، يريد أن يخرِّب المجتمع ويفكك لحمته ويقطع أواصره ويركب مطية الجهاد، والجهاد أبعد ما يكون عن مثل هذه الأعمال·

من كانوا يزايدون على البراء من الذين يعادون المسلمين فنحن وإياهم وكل مخلص أشد براء لله عزّ وجلّ يبرأ إلى الله ممن يعادون المسلمين، أو يحاصرون شعوبهم، أو يسلبون ثرواتهم، أو يجعلون لهم المكائد لإضلالهم واضطرابهم وإفسادهم· إذاً من الذي يقف وراء هذا الفعل؟ ومن الذي يتبعه؟ الشر مرفوض أيّاً كان سواء كان ببذلة أو بعمامة أو بثوب أو بعباءة· يجب أن نعرف أننا لسنا أغبياء، ولا يجوز أن نكون كذلك، إلى درجة أن من أرد أن يستدرجنا باسم الدين طأطأنا قليلاً وترددنا كثيراً وخذلنا في أن نسأله بكل صراحة من أنت؟ ومن أين جئت؟ وماذا تريد؟ وما هي غايتك؟ وما هو سبيلك؟ كيف أسلوبك؟ وما مراحلك؟ ومن يزكيك؟ ومن جاء بك؟ أين تاريخك؟ في الفقه والدعوة وإصلاح العباد، وفي الغيرة على المسلمين وأعراضهم·

لا سكوت بعد اليوم

إن الجبن والخوف والتردد في طرح كل نقد واضح بحجة جلية بهذا الفكر يجعلكم ويجعلنا ويجعل كل مسلم ومسلمة يدفعون الثمن غالياً كما دفعه هؤلاء الذين صلي عليهم في مدينة الرياض، جنائز مظلومين مجروحين ممزقين قد عبث الرصاص بأبدانهم بالبنادق والقنابل وغيرها·

هكذا ندفع الثمن شئنا أم أبينا، إذا سكتنا أو ترددنا في طرد هذا الفكر أو إعلان العداوة له مهما كان الثمن ومهما كانت النتيجة، وأن من واجبنا أن نقف صفاً واحداً وصوتاً واحداً وبياناً واحداً كل من قبله ومن موقعه ومن منبره ومن عمله ومن ميدانه أن نعلن أننا أبرياء من هذا الفعل، وأن الإسلام بريء من هذا الفعل· بعض الناس مقياسه فيما يسمعه إذا سمع خطاباً أراد أن يعرف هل هو خطأ أو صواب مقياسه فيه كان الخطاب متشنجاً متشدداً متزمتاً، فهذا أقرب إلى الحق في نظره· وهذا مرفوض البتة لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم  جاء بالشريعة والحنيفية السمحة، وقال: "إن الرفق ما كان في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه"، وقال: "إن الله رفيق يحب الرفق بالأمر كله"، وما خُيِّر " بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً· كل نصوص الشريعة تقول لنا إن الدين جاء تخفيفاً ورحمة وما جاء تزمتاً وتعقيداً ونقمة· الذين لا يعرفون التدين كالماء البارد على الظمأ، وكالطعام اللذيذ عند الجوع، وكالفراش الناعم في جوف الشتاء القارس في جوف الليل، الذين لا يجدون لذة التدين والرفق واللين واليسر فليراجعوا هذا التدين وإن سموه كذلك·

نعم القابض على دينه مثل القابض على الجمر، لكن في معاملة البشر والنفس مجاهدة لا شك أنها في حقيقتها لذة، وانسجام وطمأنينة وراحة·

التدين الحق

أما التدين نظنه تديناً وهو في الواقع وفي الحقيقة لا يجعل الإنسان في مجتمعه إلا نشاذاً بعيداً لا قيمة له ولا وزن· ما جاء التدين إلا لنكون شامات بيضاء، لنكون ومجتمعنا متحدين في سياق واحد، ما جاء التدين ليحسبنا أقساماً وأصنافاً وأحزاباً وأنواعاً، إنما لنكون كما قسمنا القرآن إما سابقا بالخيرات أومقتصداً أو ظالماً لنفسه، الفقه والعلم والاستقامة والتدين تجعل من رأى بنفسه صلاحاً يدنو بغاية الشفقة واللين والرحمة والحكمة لمن فاتهم ذلك حتى يجدوا ملة الإيمان ما فاتهم كذلك كنتم من قبل، فمن الله عليكم·

معرفة الحق

وهناك من لا يعرف الصواب بالخطاب، إلا إذا كان معه البكاء والعويل والنحيب· والحق أن هذا الدين يسري إلى القلوب بلا حاجة إلى كثير من التكلم، حقائق هذه الشريعة، نصوص هذا الوحي منسجمة مع الفطرة تتغلغل في الأرواح، لا تحتاج إلى التكلف بأي حال من الأحوال، وكم من أناس بكوا وأبكوا وهم في ضلال مبين·

نعم، ليست عداوة الدولة دليلاً على الحق وليس النفاق والمداهنة أيضاً دليلاً على الحق، إنما الحق دليله كتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكل أمر في حياتنا وفي مجتمعنا وفي مؤسساتنا، يجب أن يعرض على كتاب الله وسنَّة رسوله بفقه وفهم العلماء الأثبات الذين شابت لحاهم، ليس بفقه المتهورين، ولا بفقه الذين يتجرأون على الأعراض والدماء، وليس بفقه الذين ما رأوا أمراً حديثاً إلا ويظنونه في غاية البعد عن دين الله عزّ وجلّ دون أن ينظروا إلى فهم وفقه العلماء· والقاعدة التي تقول لكثير من الشباب إنك ما وقفت موقفاً توافق عليه بلادك وعلماؤك ودعاتك وولاة أمرك إلا كان هذا الموقف نقصاً في مقامك إن كنت تريد أن تكون مستقلاً قيادياً فإياك أن تصنف مع الدولة أو مع العلماء وإذا لم أصنف مع العلماء الصالحين ولم أصنف مع ولاة أمرنا الذين حقهم علينا أن نناصحهم، الدين النصيحة لله ورسوله وكتابه، وأئمة المسلمين وعامتهم، إذا لم أصنف مع  الدعاة المخلصين، مع مجتمع بأسره أيّا كان فيه من أجل المعصية أو الصلاح أو الخير، ونشعر أننا إخوة ولبنة واحدة وأمة واحدة، تريدني أصنف مع من أصنف مع المعارضة أو مع الطابور الخامس أو المنافقين الذين يندسون في المجتمع باسم الدين·

والله إن أناساً يوم أن تجلس معهم وتبعث في فكرهم وتحاورهم وتناظرهم وتقول لهم لا بأس فيما تقولون بشرط أن نعرض فكركم وآراءكم وأقوالكم على 5 أو 6 من كبار علمائنا، ونسلم جميعاً بما يرونه في هذا الفكر يقول لا أقبل·

في الظلام

هذا فكر لا يمكن أن ينمو إلا في ظل السراديب والأقبية أو الكواليس· خفافيش أعماها النهار بضوئه ووافقها قطعاً من الليل المظلم· هذه ظواهر خطيرة في مجتمعنا، أن نجد أن السرية في أمر الدين دليل على الصواب والغيرة والدعوة والصدق· إذا كان قادراً على الظهور فما الحاجة إلى الخفاء، إذا كان قادراً على التصريح فما الحاجة إلى التلميح، إذا كنت قادراً على التمشية في وضح النهار فلماذا تمشي في جنح الليل؟ إذا كنت قادراً أن تعبد الله مع الجماعة فلماذا تعبد الله في الأقبية؟ وأن تدعو الناس بكل كتاب معلوم وبكل شرع معروف، وبكل فكر موثوق، فما الحاجة أن تتعامل مع الشاذ من الأفكار والغريب من العبارات، والضعيف من النصوص، والشاذ من الاجتهادات· لو أن رجلاً درس الشريعة فضل ضلالاً مبيناً، ثم أجمع العلماء على فكره وانحراف مقالته هل من العقل أن أتمسك وأتشبث بفكر واحد أو آحاد شاذ أو شاذين ومنحرفين في فهمهم وأفكارهم ومئات العلماء والدعاة والقضاء ورؤساء الأقسام في الجامعات الإسلامية والكتُّاب والمفكرين والعقلاء والحكماء جميعهم هؤلاء على ضلال مبين؟ أما الحق فهو عند فلان الذي لا يتكلم إلا في ساحة مجهولة، وفي زبالة إلكترونية، وعبر منشور دعي وعبر مقال مدسوس.

 
 
 
 
 
 
    جميع حقوق النشر محفوظة لـ موقع مراجعات فكرية