(العائدون من غوانتانامو (الحلقة الأولى
«الداخلية السعودية تستبدل «القيود» بفصول دراسية.. وتنتهج فلسفة بناء الثقة بعد «اختبار الأدمغة
مشعل الحربي قال لـالشرق الأوسط» إنه تزوج ويبحث عن عمل وتلقى مساعدة شهرية من الداخلية
مشعل الحربي يتلقى اتصال من شقيق زوجته التي تزوجها (الشهر الماضي (تصوير: خالد الخميس
الرياض: تركي الصهيل
كثيرا ما راهن مراقبون على عدم مقدرة العائدين من غوانتانامو إلى العودة لحياتهم الطبيعية، وخصوصا في ظل حالة اليأس التي سيطرت عليهم جراء اعتقالهم في المعتقل الأميركي لمدد غير معلومة، وسط قضية لم يعرف طريق لقانونيتها، بعد أن طبعت بشكل سياسي، وأصبحت الطريقة الوحيدة لاستعادة القابعين هناك هي الجهود الدبلوماسية، وعلاقات المصالح المتبادلة.

لذا كان اليأس منفردا، هو المسيطر على المشهد العام بين مئات المعتقلين في معتقل غوانتانامو، حتى أن تلك الحالة دفعت بالبعض منهم إلى محاولة الانتحار، بعد أن فقدوا الأمل في خروجهم من المعتقل.

إلا أن وزارة الداخلية السعودية، استطاعت أن تعيد مواطنيها العائدين من هناك، إلى قمة الأمل، بعد أن كانت معنوياتهم محطمة أمام طول فترة اعتقالهم، من خلال العديد من البرامج التأهيلية، والذي يأتي في آخرها برنامج الرعاية، الذي يحظى باهتمام من وزير الداخلية ونائبه، ويشرف عليه بشكل يومي مساعد وزير الداخلية للشؤون الأمنية. وكان مشعل الحربي، وهو أحــــد السعــوديين الذين استعادتهــم الرياض ضمن الدفعـات

الأولى من الذين خرجوا من المعتقل بعد أن أصيب بشلل رباعي، أفقده الحركة بشكل نهائي.

وشهد المعتقل الأميركي، العديد من محاولات الانتحار داخله. ويقول خبراء نفسيون «إن إقدام الشخص على الانتحار، يشكل قمة اليأس من الحياة».

إلا أن مشعل الحربي، والذي كان حتى وقت ليس ببعيد يخضع للعلاج في أحد مستشفيات المدينة المنورة، استطاع أن يكسر هذه القاعدة، ويعود إلى قلب الحياة النابض من جديد، وذلك بعد أن قرر أن يتزوج من فتاة إحدى العائلات السعودية، وهو الزواج الذي تم بمباركة من المسؤولين في وزارة الداخلية.

وقبل أن يقدم الحربي على فكرة دخول القفص الذهبي، كان لزاما أن يخضع إلى سلسلة من البرامج التأهيلية التي دأبت وزارة الداخلية على تنفيذها مع كل العائدين من غوانتانامو، غير أن الوضع مع مشعل الذي احتفل بزواجه خلال الشهر الماضي، كان بحاجة إلى المزيد من الوقت، نظرا للإصابة التي تعرض لها داخل المعتقل الأميركي.

وفي المدينة المنورة، حيث يسكن الحربي مع عائلته الكبيرة، وزوجته التي بات يراها أجمل ما في هذه الحياة، يعيش مشعل حياة طبيعية هادئة، بعيدة كل البعد عن كل المنغصات التي شابت حياته في وقت من الأوقات.

دلف مشعل الحربي، خلال وجودنا في منزله الكائن في حي الدويمة، وهو أحد أقدم الأحياء في المدينة المنورة، إلى صالة الضيافة، بكرسيه المتحرك، وقد كان يساعده بذلك عدد من إخوانه.

كثيرا ما حدثنا عما كان يعانيه في معتقل غوانتانامو، وخصوصا في الأيام التي سبقت إصابته هناك.

غير أنه الآن، يبدو في غاية السعادة، وذلك لعودته إلى منزل عائلته، وهو الذي كان قد غادرها إلى أفغانستان قبيل أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001.

واليوم، يسعى مشعل الحربي، الذي تحدث إلينا مطولا، عن توجهاته المستقبلية، إلى تكوين أسرة صالحة، لتشكل لبنة مضافة إلى لبنات مجتمع بلاده.

ولعل أهم ما يؤرقه الآن، كيفية حصوله على عمل لدخول مرحلة الاعتماد على النفس. وقال «أحاول الآن الحصول على وظيفة مناسبة لتتلاءم مع وضعي الحالي».

ويتمنى الحربي، الذي غادر مقاعد الدراسة في المرحلة المتوسطة، أن يفتح مشروعا صغيرا، لتأمين مصدر رزق ثابت له ولعائلته الصغيرة.

وتصرف وزارة الداخلية السعودية مبلغ 3 آلاف ريال، كمساعدة شهرية لمشعل الحربي، حتى يسترد كامل عافيته، وهو الذي بدأ أخيرا بتحريك أطرافه مجتمعة، بعد أن تعطلت عن الحركة في غوانتانامو. غير أن الحربي، فيما يبدو، قد بدأ يفكر بتحمل مسؤولياته تجاه عائلتيه الصغيرة والكبيرة. وقال «يجب أن أؤمن مصدر رزقي بنفسي؛ فوزارة الداخلية وإن كانت قد تكفلت بمساعدتي، إلا أنها بالتأكيد لن تستمر في ذلك».

ويقضي مشعل الحربي، هذه الأيام، فرحة كبرى لزواجه من ابنة إحدى العائلات السعودية، حيث يقدر بدوره كثيرا ثقة عائلة زوجته به. وتبذل وزارة الداخلية السعودية، جهودا واضحة، تصب في اتجاه إعادة من عادوا من غوانتانامو إلى وظائفهم السابقة، حيث استطاعت أن تنجح في هذا الأمر في كثير من الأحيان.

ولم تسجل وزارة الداخلية السعودية، أية إشارات سلبية من مواطنيها العائدين من غوانتانامو، الذين أفرجت عنهم أخيرا، بعد أن أخضعتهم لعدد من البرامج التأهيلية الرامية إلى دمجهم في المجتمع، وذلك عبر التهيئة النفسية والاجتماعية والشرعية.

وفي هذه الأثناء، تخضع وزارة الداخلية 23 عائدا من غوانتانامو إلى برنامج الرعاية، قبيل إطلاق سراحهم بشكل نهائي.

وعمد المسؤولون في وزارة الداخلية، إلى طريقة جديدة في التعاطي مع من أنهت تحقيقاتها معهم، من خلال إتاحة الفرصة لهم للعيش في مواقع خارج أسوار السجن، تكون بمثابة المتنفس لهم لتلقي الدروس التعليمية، والبرامج المتنوعة، انطلاقا من حاجة العائدين الماسة لمثل تلك البرامج، بعد أن أمضوا مددا ليست بالقصيرة في معتقل غوانتانامو الأميركي.

وتعتمد وزارة الداخلية السعودية في فلسفتها التعاملية مع العائدين من غوانتانامو، على مرتكزات أهمها، إصلاح العائدين من هناك فكريا، وهو الأمر الذي يتولاه عادة عدد من المختصين الشرعيين عبر برنامج معد خصيصا لهذا الشأن.

وتشير الوقائع إلى أن جزءا من الذين عادوا من معتقل غوانتانامو الأميركي، لم يكونوا متورطين بالانضمام إلى الحركات المسلحة في مناطق النزاع المضطربة، حيث لم يوجه الأميركيون لهم أية تهم تتعلق بهذا الجانب.

وينتظر قرابة الـ23 عائدا سعوديا من غوانتانامو، قرارات الإفراج عنهم، بعد أن أنهت السلطات المختصة السعودية التحقيقات اللازمة معهم، وهم الذين ينتظر أن ينظر القضاء الشرعي في قضاياهم.

هذه المجموعة، لا تزال تخضع لعدد من البرامج التأهيلية التي تهدف في نهايتها إلى دمجهم تدريجيا في المجتمع، ضمن برنامج الرعاية، المدعوم من قبل الأمير محمد بن نايف مساعد وزير الداخلية للشؤون الأمنية.

وعبر فصول دراسية، وبرامج رياضية وشرعية ونفسية وتدريبية متنوعة، بدأت وزارة الداخلية، بوضع لمساتها النهائية على آخر دفعتين وصلتا من معتقل غوانتانامو، حيث تم نقلهم إلى مواقع مهيأة للقيام بهذه المهمة، التي يشرف عليها عدد من المتخصصين في المجالات ذات العلاقة.

وسمحت وزارة الداخلية لـ«الشرق الأوسط»، كأول صحيفة عربية، بالدخول إلى تلك المواقع، والالتقاء بالموقوفين هناك.

وفصل المسؤولون عن تلك المواقع، والتي يلاحظ عليها عدم تشديد الإجراءات الأمنية فيها، بين الموقوفين في الدفعتين الأخيرة والتي قبلها، حيث يحتوي أحد المواقع على 16 موقوفا، فيما يضم الآخر 7 آخرين.

وبدا غالبية الموقوفين في كلتا الدفعتين، في حالات نفسية مرتفعة، بعد أن وضعت الداخلية السعودية ثقتها فيهم بشكل لا يخلو من الحذر في بعض الأحيان.

ويتوقف الإفراج عن الموقوفين في تلك المواقع، على عدد من الاختبارات الواجب اجتيازها قبل عملية الإطلاق النهائي، فيما ينصب حرص المسؤولين في وزارة الداخلية على أهمية اجتياز الموقوف هناك لاختبار دماغه أولا قبل إطلاق سراحه.

ووفق جداول زمنية محددة، يخضع الموقوفون هناك إلى دروس شرعية، للتعريف بمعنى الجهاد الحقيقي في الإسلام، والضوابط التي حددتها الشريعة لهذه المسألة، مع بيان المفاهيم الخاطئة للجهاد.

ويسمح للموقوفين في تلك المواقع، على مدار اليوم، بمزاولة النشاطات الرياضية المختلفة، حيث جهزت تلك المواقع بمسطحات خضراء لمزاولة رياضة كرة القدم وكرة الطائرة، كما تم تجهيز حمام سباحة أيضا.

ووفقا للموقوفين هناك، فإن المسؤولين على تلك المواقع، لا يتوانون في تلبية أية متطلبات لهم، إن كان من توفير الثياب، وصولا إلى إحضار وجبات خاصة، للخروج عن الروتين اليومي.

ويمكن للموقوفين هناك من مشاهدة القنوات الفضائية على مدار اليوم، كما توفر لهم الصحف المحلية بشكل يومي، لمتابعة آخر مستجدات الشأن المحلي.

وسبق لوزارة الداخلية السعودية، أن سمحت لمجموعات من الموقوفين بالخروج لزيارة عائلاتهم في أماكن وجودها، وفق جدول زمني، يقسم بالتساوي على كافة الموقوفين، فضلا عن توفير وسيلة اتصال هاتفي يمكن أن يستخدمها الموقوف في أي وقت يشاء، إضافة إلى السماح لهم بالمشاركة في تأدية واجب العزاء أو المشاركة في فرح ما، بغض النظر عن جرمهم وقضيتهم.


الشرق الاوسط
 
 
 
 
    جميع حقوق النشر محفوظة لـ موقع مراجعات فكرية