(العائدون من غوانتانامو (الحلقة الثانيـة
السعودية: تزويج 30 عائدا من أصل 61.. ووعود بتزويج من تبقى منهم

(الغامدي لـ«الشرق الأوسط»: يخطئ من يقدم العمل الإغاثي بدون إذن دولته (الحلقة الثانية

يركز القائمون على برنامج الرعاية على تعريف العائدين من (غوانتانامو بمفهوم الجهاد الحقيقي وضوابطه
(تصوير: خالد الخميس


العائدان محمد الحربي (يمين) وراشد الغامدي خلال استماعهما
إلى احد المحاضرين في البرنامج الثقافي


العائد ماجد الحربي يدون ملاحظاته خلال تلقيه درسا
الرياض: تركي الصهيل
كثيرا ما راهن مراقبون على عدم مقدرة العائدين من غوانتانامو إلى العودة لحياتهم الطبيعية، وخصوصا في ظل حالة اليأس التي سيطرت عليهم جراء اعتقالهم في المعتقل الأميركي لمدد غير معلومة، وسط قضية لم يعرف طريق لقانونيتها، بعد أن طبعت بشكل سياسي، وأصبحت الطريقة الوحيدة لاستعادة القابعين هناك هي الجهود الدبلوماسية، وعلاقات المصالح المتبادلة.

الرياض: تركي الصهيل
حينما اصطففنا لتأدية صلاة المغرب، مع مجموعة من العائدين الجدد من غوانتانامو، حرص الشيخ أحمد جيلان، منسق برنامج الرعاية المدعوم من وزارة الداخلية السعودية، والذي كان يؤمنا، أن يتلو الآية السابعة من سورة آل عمران، والتي تتحدث عمن يتبعون ما تشابه من القرآن الكريم، ويتركون المحكم منه، وهم الذين وصفتهم الآية بأن في قلوبهم «زيغ».

وفي الركعة الأولى من الصلاة تلا جيلان الآية القرآنية التي جاء فيها «هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يتذكر إلا أولو الألباب».

وكأن الشيخ الجيلان، حاول من خلال قراءته لهذه الآية تنبيه من خلفه من العائدين من معتقل غوانتانامو الأميركي، لضرورة الاحتكام للراسخين في العلم قبل الإقدام على أية خطوة من شأنها أن تكلفهم الكثير كما حدث لهم في الماضي.

يقول أحمد جيلان، لقد كانت تلك الآية القرآنية، منطلقا لتغيير مفاهيم العائدين من غوانتانامو، حيث كان هناك حرص على إيضاح مثل هذه الآيات التي تدعو إلى العودة إلى العلماء الراسخين في المسائل الشرعية.

وقبل ذلك، كان الدكتور عبد الرحمن المحرج، وهو أحد من استعانت بهم وزارة الداخلية السعودية، لتأهيل العائدين من غوانتانامو، قد أخذ مكانه في القاعة الدراسية التي هيئت للعائدين الجدد، وأخذ يتناقش معهم في مسألة التغيير، باعتبار أن من أهم المسائل التي تحرص عليها الوزارة من خلال برنامج الرعاية هو إعادة بناء شخصيات العائدين من المعتقل الأميركي. وشهدت هذه المحاضرة تفاعلا كبيرا من العائدين من غوانتانامو، والذين كانوا متجاوبين مع أطروحات الدكتور المحرج.

وقال المحرج لـ«الشرق الأوسط»: «لقد لمست من هؤلاء الشباب كل تعاون، وكان لديهم حرص كبير على التجاوب مع كل ما ذكرته لهم».

وحاول المختص السعودي أن يفهم مواطني بلاده العائدين من غوانتانامو، والذين يشكلون آخر دفعة وصلت إلى البلاد من هناك، أن الحكومة السعودية ليست مستاءة منهم كأشخاص، وإنما كان استياؤها من الفعل الذي أقدموا عليه.

وكما يقول الدكتور عبد الرحمن المحرج، فإنه لمس من العائدين من معتقل غوانتانامو عدم استعدادهم للوقوع في الأخطاء التي وقعوا بها في الماضي. وقال «لقد أدركوا فعلا بأنهم مخطئون، ولديهم الرغبة في تعويض بلادهم خيرا عن الأعوام التي قضوها في المعتقل الأميركي». وتحرص وزارة الداخلية السعودية على تغذية العائدين من غوانتانامو بدورات تدريبية في بناء الشخصية المعتدلة. وهنا لفت المحرج إلى أن هذا الأمر بدأ يتحقق فعلا. وقال «في الوقت الحالي، لمست لديهم الرغبة في بناء أنفسهم من جديد».

ثلاثة من العائدين الجدد، ممن التقتهم «الشرق الأوسط» في مواقع وجودهم، أكدوا رغبتهم في مواصلة تعليمهم الجامعي، حيث إن منهم من انقطع عن مواصلة دراسته الجامعية، وآخرون لم يكملوا دراستهم بعد المرحلة الثانوية.

ويتضح خلال الحديث مع هؤلاء اقتناعهم التام بخطأ ما أقدموا عليه. العائد محمد الحربي، وهو ممن توجهوا إلى أفغانستان بعيد أحداث 11 سبتمبر، عزم بعدم تكرار التجربة التي أقدم عليها مرة أخرى.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: « نعم لقد أخطأنا في ذهابنا إلى مناطق النزاع، ولكن التجربة لن تكرر في المستقبل، «أنا متأكد من هذا الأمر».

وتبلورت خلال فترة اعتقال العائدين من غوانتانامو في السعودية، العديد من الأفكار التي تصب في صالح تنمية حسهم الوطني، ومعرفة أن بلادهم أولى بهم من غيرها. ويقول الحربي في هذا السياق «يجب علينا من الآن فصاعدا أن نعود إلى ولاة أمورنا في كل شيء، فهذا هو طريق النجاة».

محمد الحربي، الذي توقف عن الدراسة بعد حصوله على الشهادة الثانوية، يسعى بشكل جاد إلى إكمال دراسته الجامعية بعد إطلاق سراحه بشكل نهائي، وكما يقول فإن لديه رغبة في مواصلة تعليمه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بشكل منتظم.

وكان من ضمن السعوديين الذين توجهوا إلى أفغانستان بعيد أحداث 11 سبتمبر، بنية تقديم المساعدات الإنسانية هناك، راشد الغامدي، والذي فيما يبدو اعترف بخطأ توجهه إلى منطقة نزاع بدون علم بلاده. وقال الغامدي لـ«الشرق الأوسط»: «لا شك بأن الإنسان يكون مخطئا إذا أراد أن يعمل في المجال الإغاثي في دولة بعيدة بدون إذن من دولته الأصلية. ويرجع الغامدي سبب ارتكابه لهذا الخطأ، لافتقاده الخبرة، والتي كانت كفيلة بعدم إقدامه على هذا العمل.

وكان الموقوف الغامدي قد غادر مقاعد دراسته في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بغرض الالتحاق بالأعمال الإغاثية في الخارج.

والآن، لدى الغامدي رغبة جادة في مواصلة تعليمه الجامعي بعد أن تأذن الدولة له بذلك. وقال «لم أحدد هدفي حتى الآن، ولكن لدي رغبة في مواصلة تعليمي الجامعي»، فيما لفت إلى أن المسؤولين في وزارة الداخلية وعدوه خيرا في هذا الشأن.

وفي جانب آخر، ذكر الموقوف ماجد الحربي، الذي كان ينوي الذهاب إلى الشيشان من محطة أفغانستان التي وصلها بعيد هجمات 11 سبتمبر، أنه استفاد ومن معه من تجربة وجودهم في معتقل غوانتانامو. وقال «لقد قربنا معتقل غوانتانامو من بعضنا أكثر، وعرفنا فضل الجماعة فيه».

واعتبر الحربي أن اعتقالهم في غوانتانامو طيلة السنوات الـ 6 الماضية، بمثابة درس وعبرة لهم. وهو الآن يرغب بشكل جاد لمواصلة تعليمه الجامعي في أي جامعة كانت، وذلك بعد أن انقطع عن دراسته في الكلية التقنية، وهو الذي كان متخصصا بالالكترونيات.

وتعمل وزارة الداخلية السعودية على تسهيل أمور كل من يرغب بالزواج من العائدين من غوانتانامو، وخصوصا أن غالبيتهم لم يسبق لهم الزواج من قبل، حيث ساهمت بمساعدة ما يزيد عن 107 أشخاص، إن كان من الموقوفين على خلفية قضايا أمنية، أو من العائدين من غوانتانامو، على الزواج، حتى أن بعضهم قد تم تزويجه وهو رهن الإيقاف.

وبلغ عدد من ساهمت الداخلية في تزويجهم من العائدين من غوانتانامو 30 عائدا من أصل 61، فيما وعد المسؤولون بتزويج من تبقى من العائدين الراغبين بالزواج، ومن لم يسبق لهم الزواج من قبل.

وقال الحربي في هذا الصدد، بعد أن ارتسمت ابتسامة على شفتيه «بالنسبة لي، فأتمنى أن أتزوج اليوم قبل الغد».

وعملت وزارة الداخلية السعودية منذ أواخر العام المنصرم على استحداث برنامج جديد تحت مسمى «برنامج الرعاية»، يعمل على تهيئة العائدين من غوانتانامو، والموقوفين أمنيا في سجونها، للاندماج في المجتمع، بعد انقضاء فترة محكومياتهم.

ووفقا لمنسق البرنامج الشيخ أحمد جيلان، فإن أحد الأهداف المتوخاة من وراء هذا البرنامج، ألا يكون آخر عهد العائدين من غوانتانامو أو الموقوفين أمنيا، السجن والزنزانة و«الكلبشة».

ويستهدف برنامج الرعاية مساعدة العائدين من غوانتانامو والموقوفين أمنيا في إعادة تأهيلهم، وتعميق الانتماء الوطني لديهم، والتأكد من سلامة فكر الشاب، وتوسيع مداركهم المعرفية، بتعريفهم بخصائص وطنهم ومطامع الأعداء فيه.

ومن الخطوات التي يستهدف البرنامج تحقيقها ـ وفقا لجيلان ـ اهتمام السجين بإصلاح النفس والانشغال بخصوصيته، وحفظ اللسان والإمساك عن القيل والقال، لزوم الجماعة والسمع والطاعة في وقت الفتن، إضافة إلى الاهتمام بالعلم وطلبه لدى أهله الموثوقين.

ويحتوي برنامج الرعاية على 10 برامج متفرعة منه، موزعة على برامج «شرعية، اجتماعية، ثقافية، نفسية، رياضية، طبية، أمنية، إبداعية، تدريبية، وإنسانية».

ويفتح القائمون على البرنامج الشرعي باب الحوار مع العائدين من غوانتانامو، مستهدفين بذلك «القضايا التي تأتي منها الريح» ـ على حد قول الشيخ احمد جيلان.

ويحاول المختصون الشرعيون في البرنامج معالجة الفكر المنحرف عبر سرد تأريخه وجذوره، وإيضاح أسبابه ومفاسده، كما يستحوذ موضوع التكفير والجهاد وضوابطهما نصيبا كبيرا من الحوارات التي يفتحها المختصون مع الموقوفين قبل الإفراج عنهم.

ويفتح البرنامج الثقافي الذي تبناه المسؤولون عن برنامج الرعاية آفاقا واسعة أمام الموقوفين للاستفادة من الجوانب المعرفية والعلمية، فكما يقول الشيخ جيلان إنهم يتيحون الفرصة للشباب العائدين من غوانتانامو أو أولئك الذين غرر بهم فرصة مشاهدة القنوات الفضائية، وقراءة الصحف المحلية، لتعزيز انتمائهم الوطني تجاه المجتمع، كما يوفر القائمون على البرنامج العديد من الأفلام الوثائقية التي تحكي تأريخ ومسلسل الإرهاب الدموي الذي ضرب البلاد منذ هجمات 12 مايو (آيار) 2003.

وقال جيلان «هذه الأفلام الوثائقية نحرص أن توفر بشكل كبير للعائدين من غوانتانامو والذين لم يلحقوا على الأحداث الإرهابية الداخلية».

ويستهدف البرنامج الاجتماعي ـ وفقا لجيلان ـ تعزيز صلة الموقوف بنفسه وبالآخرين، وذلك من خلال المحاضرات والندوات التي يقوم بها المختصون الاجتماعيون، فيما يتم تمكينه من الاتصال اليومي بعائلته لأكثر من ساعة، وإتاحة الفرصة له للشراء والتسوق بعد منح كل من يخضع لبرنامج الرعاية مبلغ 10 آلاف ريال سعودي، إضافة إلى تمكينه من زيارة عائلته لمدة تتراوح من 3 إلى 5 أيام بالنسبة للموقوفين على خلفية قضايا أمنية، ولمدة لا تزيد عن أسبوعين للعائدين من غوانتانامو.

ويخضع المسؤولون في برنامج الرعاية، الموقوفين أمنيا، والعائدين من غوانتانامو، إلى برنامج نفسي يقوم به عدد من الخبراء والمختصين في هذا المجال، بغية التعرف على شخصياتهم وتقييم أوضاعهم النفسية، ورصد مشكلاتهم من خلال الاستماع والتحاور للتخفيف من معاناتهم، والرفع من معنوياتهم.

ويهدف البرنامج الأمني الذي يقوم عليه بعض المختصين الأمنيين إلى توسيع مدارك الشباب بتوضيح المنظومة الأمنية، وإعطائهم الوصايا الأمنية التي يحتاجها الموقوف بعد إطلاق سراحه، كإجراءات الكفالات والتعهدات وما يترتب عليها.

ويستفيد من برنامج الرعاية الموقوفون على خلفية قضايا أمنية، والعائدون من معتقل غوانتانامو الأميركي، ولا يستفيد منه الموقوفون الذين لم تنته محكومياتهم، أو أولئك الذين يشكلون خطرا على أنفسهم أو غيرهم، وهم الذين يعتبرهم المسؤولون عن برنامج الرعاية «عبئا» لعدم جاهزيتهم للتفاعل مع معطيات برنامج الرعاية.

وقبل أن يتم إطلاق الموقوفين في برنامج الرعاية، يتخذ القائمون على البرنامج خطوة تصب في صالح التأكد من سلامة فكرهم ومدى استفادتهم من البرامج التي هيئت لهم، عبر «أسئلة المكاشفة» التي ترمي إلى إيصال أهدافها الضمنية لتحقيق المنظومة الأمنية وتعزيز انتمائه لوطنه، ومدى استيعابه لما سعى إليه البرنامج من توضيح صريح للمفاهيم الخاطئة لقضايا التكفير والجهاد والولاء والبراء والإمامة، وغيرها من القضايا ذات العلاقة.


الشرق الاوسط
 
 
 
 
    جميع حقوق النشر محفوظة لـ موقع مراجعات فكرية