من داخل الخلية
حقائق من داخل الخلية
لقاء الشيخ علي الخضير
شاهد
أستمع
أقراْ
لقاء الشيخ ناصر الفهد
شاهد
أستمع
أقراْ
لقاء الشيخ أحمد الخالدي
شاهد
أستمع
أقراْ
 
 
اعترافات المجموعةالأردنية
شاهد
أستمع
أقراْ
 
 
 
 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد :

فإن الموضوع موضوع مهم جدا، وقد كثر الخوض فيه قديما وحديثا وهو مضلة أفهام ومزلة أقدام، قد يفضي إلى التناحر وتفرق الأمة، ألا وهو موضوع التكفير والتبديع والتفسيق بغير علم وبصيرة . ولخطورته اهتم به العلماء فألغوا كتبا في بيان نواقض الإسلام وحكم مرتكب الكبيرة التي هو دون تلك النواقض من أجل درء الخطر عن هذه الأمة، وبيان الحق من الباطل في هذا الباب، كي لا يتكلم فيه من لا يحسنه أو يدخل فيه من لا يتقن ضوابطه وأصوله، أو يتساهل في شأنه من ليس عنده غيرة على دين الله فتتسرب العقائد الفاسدة والنحل الضالة إلى دين الله فيلتبس الحق بالباطل ويحسب على الأمة من ليس منها ويدخل في الدين ما ليس منه .

وهذا الباب لا يجوز أن يتكلم فيه من ليس عنده علم ومعرفة وبصيرة ولا يحكم بالكفر إلا على من كفره الله ورسوله لارتكابه ناقضا من نواقض الإسلام المجمع عليها بين أهل العلم ومن ثم يجب على المسلم أن يتعلم قبل أن يتكلم وأن لا يتكلم إلا عن علم وإلا فإنه إذا كفر مسلما يكون قد ارتكب جريمتين عظيمتين إحداهما أعظم من الأخرى، وهي :

أنه قال على اله بغير علم، وقد قال الله سبحانه وتعالى: ((ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا)) (الأنعام:21) ، وقال سبحانه وتعالى: (( قل إنما حرّم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)) (الأعراف:33)، فجعل القول على الله بغير علم أشد من الشرك لأنه ذكره بعد الشرك، فحينئذ لابد أن يتعلم الإنسان قبل أن يتكلم، والعلم قبل القول وقبل العمل قال تعالى: ((فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات)) فدل على أن العلم يكون قبل القول ويكون قبل العمل، فالقول الذي لا ينبغي على علم _خصوصا أمور الدين، وخصوصا في أمور العقيدة_ قول باطل، وكذب على الله سبحانه وتعالى، هذه هي الجريمة الأولى الخطيرة وهى القول على الله بلا علم.

الجريمة الثانية: أنه جنى على هذا المسلم، فحكم عليه بالكفر وأخرجه من الإسلام وهذا يترتب عليه أحكام؛ يترتب عليه، أن زوجته تفارقه فلا تجلس معه، ويترتب عليه أنه لا يرث، ولا يورث، ويترتب عليه أنه إذا مات لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدعى له ولا يدفن في مقابر المسلمين.

فالذي حكم عليه بالكفر بغير حق يتحمل هذه الأمور كلها، لأنها تنبني على كلامه، وعلى قوله، فلابد من أن يتعلم الإنسان ما هي الأشياء التي تقتضي الكفر والردة، لابد أن يتعلم ولا يتكلم بجهل، أو يرى أن كل من خالفه في رأيه يكفر، مع انه لا يكفر إلا من قام الدليل على تكفيره من كتاب الله أو سنة رسوله r أو إجماع المسلمين.

والعلم بهذا من أين يؤخذ ؟ هل في العلم من الكتب ؟ ومن المطالعات ومن حفظ النصوص ؟

لا، العلم لا يؤخذ إلا عن أهل العلم وعن العلماء الربانيين الراسخين في العلم، لا يؤخذ العلم عن الكتب قراءة أو مطالعة، ولا يؤخذ من حفظ النصوص وان كثرت النصوص المحفوظة، فليس كل من حفظ النصوص بأن حفظ القرآن وحفظ كثيرا من الأحاديث يكون عالما. لا يكون بذلك عالما، إنما العالم هو الفقيه، والعلم هو الفقه في دين الله عز وجل وهذا لا يكون إلا بالتعلم والتلقي عن الفقهاء وعن أهل العلم الذين يبينون له معنى هذه النصوص التي حفظها وطالعها ، وقد يكون فهم فهما بعيدا لا علاقة له بكتاب الله أو سنة رسوله r ، ولو رجع لأهل العلم لتبين له أنه قد أساء الفهم وغلط في تصوره، إذ كان يجب عليه الرجوع إل أهل العلم وتلقي العلم النافع عنهم حتى يكون الإنسان على بصيرة بما يقول وبما يعمل وبما يحكم به .

ثم أيضا إذا تعلم وفقه في دين الله، وعرف نواقض الإسلام، وما هي الأشياء التي تخرج عن الإسلام فلابد أن يتثبت في حق الشخص قبل أن يحكم عليه ويصدر عليه الحكم بالكفر أو بالشرك أو بالخروج من الدين.

لابد أن يتثبت في تطبيق الحكم الشرعي على هذا الشخص فينبغي أولا التثبت في هذا؛ وقد خرج جماعة من الصحابة رضي الله عنهم في بعض الأسفار فمر عليهم رجل يسوق غنما فقال: السلام عليكم ، فبادروه بالقتل على ظنهم أنه كافر ، وأخذوا غنمه فتسرعوا في ذلك فأنزل الله جل وعلا قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا)) فلامهم سبحانه وتعالى وهم صحابة رسول الله r لما تسرعوا فالواجب التثبت وعدم التسرع في الحكم على الناس إلا عن بصيرة وروية .

وقامت جماعة من الصحابة في غزوه من الغزوات وفيهم أسامة بن زيد y وعن أبيه حب رسول الله وابن حبه فحصلت المعركة بينهم وببن المشركين فهرب رجل من المشركين فلحق به أسامة ورجل من الأنصار يريدون قتله ولما أدركوه قال: لا إله إلا الله، فلما قال لا إله إلا الله كف عنه الأنصاري، لكن أسامة y ظن أنه ما قالها إلا ليتقي بها القتل فقتله ظنا منه أنه إنما قال ليتقي بها السيف ولم يقلها صادقا، فلما قدم على رسول r قال له r : (( أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟ ماذا تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ )) ثم رد عليه: ((أقتلته بعدما قال: لا اله إلا الله؟)) ثم رد عليه الثالثة: ((أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله)) قال يا رسول الله، إنما قالها ليعوذ بها من السيف . فال: ((هلا شققت عن قلبه حتى نعلم أنها قالها تعوذا؟ ماذا نصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت بوم القيامة؟)) قال أسامة: فتمنيت أني لم أسلم قبل ذلك ، من شدة ما رأى من إنكار رسول الله r عليه، فدل على وجوب التثبت في الأمور وعدم التسرع في الحكم على الناس، لابد أن يكون الحكم من علم ولابد أن يحصل التثبت في حال الشخص؛ لمن أظهر الإسلام ونطق بالشهادتين وجب الكف عنه كما تدل عليه هذه القصة العظيمة حتى يحصل منه ما يناقض الإسلام كأن يشرك بالله أو يدعو غير الله أو يرتكب ناقضا من نواقض الإسلام المعروفة عند أهل العلم فحينئذ يحكم عليه بالردة.

وما دام لم يظهر منه شيء يخالف الإسلام فإنه يحسن به الظن ويحكم بإسلامه، ولو حصل منه بعض المخالفات التي هي دون الشرك ودون الكفر كما لو حصل منه ذنب أو معصية فإنه لا يحكم بكفره حتى يرتكب ناقضا من نواقض الإسلام المعروفة عند أهل العلم ولا يكون له عذر، فقد يكون جاهلا وقد يكون حديث عهد بالإسلام، ما عرف أن هذا الشيء كفر.

ولما خرج النبي r إلى غزوة حنين بعد فتح مكة خرج معه أناس من أهل مكة حدثاء عهد بالإسلام منهم أبو واقد الليثي y _ يعني أسلموا قريبا_ فرأوا المشركين اتخذوا سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم _يقال لها ذات أنواط_ يتبركون بها ويعكفون عندها، اعتقادا أن فيها بركة ويعقلون بها أسلحتهم يتبركون بها فقال هؤلاء النفر _الذين هم حدثاء عهد بالإسلام _ : يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فالرسول r لم يحكم عليهم بالكفر لجهلهم، بل قال رسول الله: ((الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، إنها السنن، قلتم _ والذي نفسي بيده _كما قالت بنو إسرائيل لموسى :اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال : إنكم قوم تجهلون)).

فالرسول r أنكر عليهم وبين أن مقالتهم هذه مثل مقالة بني إسرائيل لموسى. ولكن لما كانوا لا يعرفون الحكم بين لهم r ذلك، وأنه من الشرك ، نظرا لكونهم جهالا عذرهم بالجهل، ولم يحكم عليهم بالكفر، ولكن كان حديث عهد بالإسلام ولم تتح له الفرصة ليتعلم أحكام الإسلام وحصل منه ما حصل حتى ولو كان ظاهرة الشرك والكفر فإنه يبين له ويشرح له الإسلام وتبين له نواقضه، فإن أصر ولم يترك هذا الشيء حكم بكفره.

فهذه الأمور يجب التثبت فيها لأنه ربما يكون الذي يصدر الحكم بالكفر جاهلا يصدر الأحكام على الناس عن جهل، وربما يكون المحكوم عليه جاهلا لا يستحق هذا الحكم حتى يبين له الأمور، لابد فيها من تثبت ولابد من روية ورجوع إلى أهل العلم وسؤال أهل العلم عن هذا الشيء وعن هذا الشخص .

كيف يحكم عليه وليس من حق كل أحد من الطلبة المبتدئين والقراء ليس من حقهم أن يكفروا ويخرجوا الناس من الدين وهم لا يعرفون نواقضه، فالأمر خطير جدا، فعلى كل من وقع في شيء من ذلك أن يتوب إلى الله عز وجل وأن يكف لسانه عن التكفير وأن يتعلم قبل أن يتكلم وأن يسأل أهل العلم ويتفكر في الأمر وينظر في حال الشخص هل هو معذور أم غير معذور؛ فالأمور تحتاج إلى تفصيل وتحتاج إلى فقه في الدين، ولأن تقتل شخصا _ مع أن القتل بغير حق جريمة عظمى _ أخف من أن تحكم عليه بالكفر، وقتل المؤمن عمدا فيه الوعيد الشديد ((ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما)) (النساء:93).

هذه حرمة الدم، وحرمة الدين أعظم فكونك تخرجه من الدين وتخرجه من الإسلام أشد من قتله عند الله سبحانه وتعالى، لو أخذت ماله كله وصادرته هذا حرام قال r : ((إن دماءكم وأموالكم وإعراضكم عليكم حرام)) لو أخذت ماله كله ظلما وعدوانا فإن ذلك أخف من أن تحكم عليه بالكفر والردة وهو لا يستحق ذلك.

واعلم أنك إذا حكمت على شخص بالردة أو بالكفر أو قلت: يا كافر يا عدو الله يا منافق وهو لا يستحق هذا فإن كلامك يرجع عليك كما جاء في الحديث: ((من قال لأخيه يا كافر، أو يا منافق، أو يا خبيث أو يا عدو الله وهو ليس كذلك إلا حار عليه )) أي إن إثم هذا الكلام القبيح يرجع إلى القائل لا يرجع إلى المقول فيه إذا كان لا يستحق ذلك . فأنت إنما تجني على نفسك، فاتق الله أيها المسلم واحفظ لسانك ولا تحكم بالكفر على من لا يستحق الكفر ولا تتسرع في الأمر وراجع أهل العلم والبصيرة في هذا الأمر قبل أن تصدر الحكم على أحد بالكفر ممن ظاهره الإسلام.

وأول من وقع في تكفير الأمة هم الخوارج، والخوارج ظهرت فتنهم على عهد النبي r حيث جاء رجل منهم إلى النبي r وهو يقسم الفيء أي الغنائم بعد رجوعه من حنين، فقال له هذا الرجل: يا محمد، اعدل فإنك لم تعدل . فقال: ((ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟)) ثم قال r : ((يخرج من ضئضئ هذا أناس تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وتحقرون صيامكم مع صيامهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية))؛ مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم للقرآن وذكرهم لله، لكن لما صاروا يكفرون المسلمين حكم عليهم النبي r بالمروق من الدين؛ لأنهم يكفرون من لا يستحق الكفر، فمن حكم على أحد بالكفر وهو ليس كذلك فإنه من الخوارج الذين قال r : ((أينما لقيتموهم فاقتلوهم، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)).

وفي خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب y لما حصلت المعركة بينه أهل الشام في صفين طلب أهل الشام التحكيم ورفعوا المصاحف على الرماح يريدون أن يرجعوا إلى القرآن فقال علي y : إن هذا خدعة. فقام الخوارج وكانوا موجودين في جش على فقالوا: لابد أن نوقف قتالهم. قال علي y : إنما هذه خدعة. قالوا:لا، لابد أن نتوقف عن قتالهم، فوقف عن قتالهم، ثم شكلوا رجلين من الصحابة للحكم بينهم، فلما حكموا ولم يرض الخوارج بحكمهم خرجوا على علي وكفروه، قالوا: إنك حكمت الرجال . والله تعالى يقول: ((إن الحكم إلا الله)) (الأنعام:75) حكمت الرجال فأنت كافر. فكفروا علي y وكفروا أصحابه وخرجوا عن طاعته واجتمعوا في مكان يقال له حروراء، فأرسل إليهم علي y ابن عمه عبدالله بن عباس رضي الله عنهما فناظرهم عبدالله بن عباس وأجاب عن شبهاتهم وبين خطأهم فرجع منهم ستة آلاف، وبقي أكثرهم مصرين على ضلالهم وعلى تكفير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب y من معه من الصحابة.

هذا أول مبدأ التكفير، فقاتلهم علي y في موقعة النهروان فنصره الله عليهم وقتل منهم مقتلة عظيمة، فنال بذلك الأجر الذي أخبر به رسول الله r .

هذا أول تكفير في الإسلام، ولكن لا يزال الخوارج يظهرون في كل وقت ويكفرون المسلمين، وما زال المسلمون يقاتلونهم، كل من ظهر منهم قتل . ولله الحمد .

ظهروا في عهد معاوية، وظهروا في عهد عبدالملك بن مروان، وظهروا في أوقات مختلفة في دول الإسلام، وكلما ظهروا نصر الله المسلمين عليهم وهم كما قال النبي r : ((يقاتلون أهل الإيمان ويتركون أهل الأوثان))، فلا يقاتلون الكفار ولكن يقاتلون المسلمين .

هذا حال الخوارج في كل وقت، فمن تبنى هذا المذهب وكفر المسلمين وكفر حكام المسلمين أو كفر علماء المسلمين فإنه من هذه الطائفة الضالة، يجب قتالهم لكن بعد أن يدعوا إلى الرجوع إلى الحق، فإن أصروا فإنهم يقاتلون كما قاتلهم علي بن أبي طالب ومن جاء بعده من ولاة أمور المسلمين.

فهذه ظاهرة خطيرة وسيئة يجب على المسلم أن يخاف الله عز وجل وأن لا يحكم بالردة أو بالكفر على أحد بدون روية وبدون تثبت وبدون علم، العلماء لا يكفرون إلا من كفره الله ورسوله والراسخون في العلم لا يحكمون بالكفر إلا على من ثبت كفره وتبين كفره في كتاب الله وسنة رسوله r أما الجهال والمتسرعون وأنصاف المتعلمين فإن أرخص شيء عندهم التكفير فلا حو ل ولا قوة إلا بالله. وكل من خالف رأيهم أو خالف مذهبهم حكموا عليه بالتكفير، هذه صفة قبيحة وصفة ذميمة.

ظاهرة التكفير زلة عظيمة يجب على من يخاف الله عز وجل إن كان جاهلا فلا يجوز له الكلام بغير علم وان كان عالما فيجب عليه أن يتثبت ولا يقدم على هذا الحكم الخطير إلا بعد تثبت وروية، والتأكد من أن هذا الشخص أو هذه الفئة أنها خارجة عن الإسلام، فيجب على المسلم أن يمسك لسانه عن هذا الأمر الخطير فلا يجالس ولا يصاحب من هذه صفاتهم، لا يجالس هذه الطائفة المارقة التي تكفر المسلمين، لأنه إذا جالسهم صار مثلهم، بل عليه أن يفارقهم وأن يبتعد عنهم، في غزوة تبوك جلس بعض المنافقين يتحدثون فيما بينهم فتحدثوا في الرسول r وأصحابه فقالوا: ما رأينا مثل قرّائنا هؤلاء أكذب ألسنة، ولا أرغب بطونا، ولا أجبن عند اللقاء _ يعنون رسول r وأصحابه_، وكان شاب من المؤمنين حاضرا معهم وقال للمتكلم : كذبت ولكنك منافق لأخبرن رسول الله r . أنكر عليهم لما في قلبه من الإيمان والغيرة على دين الله، ثم ذهب ليخبر الرسول r فوجد الوحي قد سبقه ونزل على رسول الله r فأخبر الله تعالى الرسول r ما قالوه قبل أن يصل إلى الرسول r هذا الشخص، والرسول r لما نزل عليه الوحي في شأن هؤلاء أمر بالرحيل من هذا المكان فرحلوا وركب النبي r راحلته.

وجاء هؤلاء إلى الرسول r يعتذرون ويقولون: يا وسول الله، إنما هو حديث الركب، إنما قلناه نسهل به عناء الطريق، والرسول r لا يلتفت إليهم وهم متعلقون بنسعة ناقة الرسول r يقولون: يا رسول الله، إنما هو حديث الركب نسهل به عناء الطريق. والرسول r لا يلتفت إليهم ويتلو قوله تعالى: ((ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون (64) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم))(التوبة :65-66) ولا يلتفت إليهم ولا يزيد على ما قاله الله سبحانه وتعالى.

الشاهد من هذا أن الذي تكلم في هذا المجلس واحد والباقون ساكتون لم ينكروا عليه فحكم الله عليهم بالكفر جميعا ما عدا هذا الذي قام واستنكر الأمر وذهب إلى الرسول r .

الحاصل أن الأمر خطير فلا يجوز للإنسان أن يجالس أو يصاحب أو يرافق هذه الطائفة المارقة التي تكفر المسلمين وتكفر ولاة أمور المسلمين من غير بصيرة ومن غير علم ويستحلون دماء المسلمين وأموالهم فعلينا أن نبتعد عنهم وأن لا نستمع إلى أقوالهم، وان ننبذهم ونبتعد عنهم ولا نجالسهم، هذا عن قضية التكفير.

أما قضية التبديع: فالتبديع مأخوذ من البدعة والبدعة في اللغة ما أحدث على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى : ((بديع السماوات والأرض)) أي موجدهما على غير مثال سابق حيث أوجد الله السماوات والأرض من العدم ، أما البدعة في الدين فهي ما أحدث في الدين من غير دليل كتاب الله وسنة رسول الله؛ لأن العبادات توقيفية _ما يفعل منها شيء إلا بدليل_ وليست العبادات مجالا للاستحسان والرأي، ما كان عليه دليل من كتاب الله ومن سنة رسول الله r فهو الدين وهو العبادة، ما لم يقم عليه دليل فإنه بدعة ، قال r : ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)) وفى رواية: ((من احدث في أمونا هذا ما ليس فيه فهو رد))، وقال r : ((إن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد r ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلاله)) وفى رواية: ((وكل ضلاله في النار))، وذلك لان الله تعالى أكمل الدين وليس بحاجة إلى الزيادة، ما توفى الرسول r إلا وقد أكمل الله به الدين ، قال تعالى: ((اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا))، وعاش النبي r بعدها واحدا وثمانين يوما وتوفى r ، فما توفى r إلا وقد أكمل الله به الدين.

فمن جاء بعباده ليس عليها دليل من كتاب الله وسنه رسول الله r فإنها بدعه مردودة على صاحبها مهما كان صاحبها من العبادة والزهد، من جاءنا بشيء وقال : هذا طيب، وهذا عبادة، هذا ذكر. ينظر إن كان عليه دليل _فعلى الرأس والعين_ وإن كان ما عنده دليل رفضنا قوله، وإن كان من الناس زهدا، أو من أكثرهم علما، لا ننظر إلى الشخص وإنما ننظر إلى الدليل من كتاب الله وسنة رسوله r . ولا يمكن أن تحكم على شخص بأنه مبتدع إلا إذا أتى بشي ء في الدين ليس عليه دليل من كتاب الله ولا من سنة رسوله r ، ولا تحكم على الناس بالبدعة إذا أتوا بشيء تجهله أنت أو لا تعرفه، أنت لا تعرف كل الدين، ولا تعرف كل ما جاء عن الله ورسوله r لا يجوز الحكم على الناس بالبدعة إلا إذا أتوا شيء من الدين لم يوجد فيه دليل من كتاب الله وسنة رسوله r ، فعليك بالتثبت، لا تحكم على الناس بأنهم مبتدعة إلا بعد أن يثبت لديك بأن هذا الذي جاؤوا به ليس فيه دليل من كتاب ، الله وسنة رسوله r أو حكم عليه العلماء بأنه بدعة فأنت تقول: قال العلماء بأن هذا بدعة ، أما أن تحكم بدون تثبت وبدون روية وبدون الرجوع إلى كلام أهل العلم فهذا أكبر خطأ، وهذا يسبب تفرقة بين المسلمين ويولد العداوة بين المسلمين ويسبب أضرارا كبيرة ويسبب إساءة الظن بين الناس بعضهم مع بعض فلا تبدّع أحدا بغير دليل من كتاب الله أو من سنة رسول الله r أو إجماع المسلمين، على أن هذا الأمر بدعة فحينئذ تأتي هذا الشخص وتبين له لعله فعل هذا عن جهل، لعله قلد أحدا يظنه حقا، لعل له عذرا، تين له إن أصر بعد البيان فإنك تحكم بأنه مبتدع، لأنه أصر على شيء ليس من الدين فيكون مبتدعا، فالأمر يحتاج إلى تثبت يحتاج إلى روية وعدم تسرع.

الآن كثر الجهل في الناس وكثر من يدعون العلم وكثر القراء وقل الفقهاء كما أخبر النبي r ، فيجب على المسلمين أن يتثبتوا في الأمر، وأن لا يتسرعوا في أحكام الدين وفي التكفير أو التبديع أو غير ذلك حتى يثبت عندهم الحكم الشرعي من كتاب الله أو من سنة رسول الله r ، أو بإجماع أهل العلم، فهذا أمر خطير ولا يجوز لغير العلماء الكلام فيه، هذا ما أحببت أن أقوله في هذه الجلسة، وأسأل الله جل وعلا أن يفقهنا وإياكم في دينه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا.

أسأل الله جل وعلا أن يرينا الحق حقا ويرزقنا إتباعه، وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين .

 
: الأســـــئلة
السؤال الأول : يقول السائل : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فضيلة الشيخ: نسمع أن فضيلتكم لا يفصل في قوله تعالى: ((ومن لم يحكم بغير ما أنزل الله فأولئك هم الكافرون))(المائدة : 44) ونرجو الإشارة وجزاكم خيرا .

الجواب : لابد _إذا سمعتم عني أو عن غيري كلاما_ أن لا تقبلوا هذا الكلام حتى تطلعوا على كلام الشخص من كتبه أو تسمعوه من أشرطته، أما مجرد النقل والشائعات عن الناس فلا تقبلوه _ مني أو من غيري_ لابد من إثبات من كتاب ألفه أو من شريط سجل من كلامه أو بالمشافهة تسألونه فيجيبكم عن ذلك ء أما الاعتماد على الشائعات فإن الكثير من الناس اليوم خف عليهم الكذب وصاروا يقولون على الناس ما لم يقولوا، من أجل أن ينصروا ما هم عليه، والله تعال يقول ((ومن لم يحكم بغير ما أنزل الله فأولئك هم الكافرون))(المائدة : 44) والنبي r يقول: ((كفى بالمرء إثما، أن يحدث بكل ما سمع))، فما كل ما سمعت يكون صحيحا ولا تنسبه إلى تتأكد وتتثبت كما قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)) وأنا لم أقل إن الحكم بغير ما أنزل الله بأنه كفر أكبر مخرج من الملة مطلقا أنا أفصل بما يفصل به العلماء في هذه المسألة مما هو معروف في كتب التفسير وفي كتب العقائد، ليست مسألة مجهولة إنما هي مسألة مفصلة في كتب أهل العلم في التفسير، وأقربها تفسير ابن كثير وفي كتب العقائد وأقربها شرح الطحاوية وغيرها .

 
السؤال 2 : فضيلة الشيخ نرجو إرواء غليلنا في مسألة التكفير التي تنازع فيها العلماء، والسؤال هل كل قول أو فعل يستوجب التكفير والإطلاق أم ينبغي الفصل بمعنى أن الحاكم الذي يسن قوانين وضعية يحاد بها الله ورسوله نكفره بمجرد الفعل أم لنا أن نسأله وإذا أجاب بأنه مشغول ولا يستطيع تطبيق الشريعة فهل نقول أنه مسلم فيه كفر وفسق وظلم أم نكفره ونخرجه من الدين ؟

الجواب : أنا أرشدتكم وأحلتكم على تفسير ابن كثير أو تفسير ابن جرير أو على شرح الطحاوية لابن أبي العز، والحمد لله.

السؤال 3 : ما الفرق بين الموالاة والمظاهرة للمشركين هل هي مكفرة أو غير مكفرة ؟
الجواب : الموالاة هي المحبة في القلب وأما المظاهرة فهي المعاونة، أن يعين المشركين على المسلمين هذه هي المظاهرة .
 
السؤال 4 : ما رأي فضيلتكم فيمن كفر هذه الدولة ويتهم علماءها بالمداهنة ؟

الجواب : هذا من الذين يكفرون حكام المسلمين ويكفرون المسلمين بل يكفرون أفضل المسلمين وهم العلماء فهم من الخوارج، لكن عليهم أن يتوبوا إلى الله عز وجل ويرجعوا إلى الصواب ويتركوا هذا الإثم العظيم .

 
السؤال 5 : لقد كثر الكلام من البعض عن مسألة خطيرة لا يعرفها إلا العلماء الراسخون في العلم ألا وهي تكفير المعين فهل أشرتم إلى ذلك وفقكم الله ؟

الجواب : من فعل الكفر أو نطق بكلمة الكفر وهو غير مكره بل نطق بها مختارا فانه يحكم بكفره؛ لأنه نطق بالكفر غير مكره أو فعل الكفر وهو غير مكره فيحكم عليه بالكفر ويدعى إلى التوبة .

 
السؤال 6 : بالنسبة لبعض الدول المسلمة تبيح كثيرا من المنكرات كالمسكرات والزنا فهل يعد ذلك من الكفر البواح الذي يجيز الخروج عليهم ؟

الجواب : هناك فرق بين من يستبيح ما حرم الله وبين ما يفعل ما حرم الله وهو غير مستبيح له كالذي يشرب الخمر وهو يعتقد أنه حرام، أو يأكل الربا وهو يعتقد أنه حرام، أو يزني وهو يعتقد أن الزنا حرام، فهذا لا يكفر، هذا يكون فاسقا ناقص الإيمان، وإذا كان عليه حد يطبق عليه الحد حد الزنا، حد السرقة، حد الشرب، لكن لا يحكم بكفره لأنه لم يستبح هذا الشيء، أما من استباح هذه الأشياء فانه يكفر لأن من استباح شيئا مجمع على تحريمه فإنه يكفر ولو لم يفعله فكيف إذا فعله .

 
السؤال 7 : ما رأي فضيلتكم في الصلاة خلف إمام مسجد يكفر ولاة أمر هذه البلاد فهل يجوز الصلاة خلفه ؟

الجواب : إذا كان ما تقوله صحيحا وثبت عليه أنه يكفر ولاة الأمور في هذه البلاد فلا يصلى خلفه. والحمد لله طلبة العلم متوافرون، وشؤون المساجد على استعداد لتغييره، لكن الشأن في إثبات ما تقول، أما مجرد شائعة فلا يثبت الحكم .

 

المصدر

صالح فوزان الفوزان

الفقه في الدين عصمة من الفتن

 
 
 
 
 
 
 
 
    جميع حقوق النشر محفوظة لـ موقع مراجعات فكرية